تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الملوك — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
قصدا ، فإنّ الغيرة كامنة ، واجعل للرّجوع والنّزوع بقية من قلبك ، واحذر صولة الانهماك ، فإنها تؤدى إلى المهالك « 1 » . وهو مثل قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : « أحبب حبيبك هونا ما ، عسى أن يبغضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما ، عسى أن يكون حبيبك يوما ما » « 2 » . ومن ذلك قول الأول :
وأحبب حبيبك حبّا رويدا * فليس يعولك أن تصرما « 3 »
وقال آخر :
ولا تيأسنّ الدّهر من حبّ كاشح * ولا تأمننّ الدّهر صرم حبيب « 4 »
وسئل بزرجمهر عن العقل ، فقال : ترك ما لا يعنى ، قيل : فما الحزم ؟ قال : انتهاز الفرصة ، قيل : فما الحلم ؟ قال : العفو عند المقدرة . قيل : فما الشدة ؟ قال : ملك الغضب . قيل فما الخرق « 5 » ؟ قال : حبّ مغرق وبغض مفرط . وقيل لبعض الملوك - وبلغ في المنزلة والقدر ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه - : ما الذي بلغ بك هذه المنزلة ؟ قال : عفوى عند قدرتى ولينى بعد شدّتى ، وبذل الإنصاف ، ولومي لنفسي ، وإبقائى في الحب والبغض مكانا لموضع الاستبدال .
هامش
( 1 ) القصد : الاعتدال . الرجوع والنزوع : العودة للحق والتوبة والمبادرة لها . صولة الانهماك : غلبة التمادي في الشيء . ( 2 ) اعتبر الشيخ الطرطوشي رحمه الله هذا الأثر مثلا أو قولا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولعله الأصح . على حين اعتبره بعض أهل السنن حديثا لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وفي تخريجه قال الزيلعي : رواه الترمذي عن أبي هريرة في باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض ، وقال حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه عن أبي هريرة مرفوعا ، وقد رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو ضعيف أيضا ، والصحيح هذا عن علي موقوفا ، ( تخريج الأحاديث والآثار ، الزيلعي ، تحقيق : عبد الله السعد 2 / 464 وما بعدها ) . - كما رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر ، وقال فيه عبد السلام الهروي ضعيف جدا . - كما ذكره الدارقطني في علله وقال : لا يصح رفعه والصحيح أنه عن علي موقوفا . - رواه ابن حبان في كتاب الضعفاء وقال ليس هذا من حديث أبي هريرة وإنما هو من قول علي . * ولعل هذا ما جعل الطرطوشي رحمه الله يعدّه قولا لعلي لا حديثا والله أعلم . ( 3 ) الصرم والصرامة : القطيعة . ( 4 ) الكاشح : العدو الباطن العداوة ، كأنه يطويها في كشحه أو باطنه . ( 5 ) الخرق : الحمق .