وقال ابن لقمان لأبيه : ما الدّاء العياء « 1 » ؟ قال : رعونة « 2 » مولودة . قال :
فما الجرح الدّوي « 3 » ؟ قال : المرأة السوء ، قال : فما الحمل الثقيل ؟ قال :
الغضب . ولما قرأ هذه الحكاية أبو عبّاد الكاتب - وكان ظريفا في أخباره - قال : والله ، الغضب أخفّ عليّ من ريشة - وكان أسرع الناس غضبا - فقيل له :
إنما عنى لقمان : أن احتمال الغضب ثقيل ، فقال : لا والله ، لا يقوى على احتمال الغضب إلا الجمل . وغضب يوما على بعض أصحابه ، فرماه بدواة ، فشجه ، فجعل الدم يسيل فقال أبو عبّاد : صدق الله العظيم حيث قال :
« وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ »
« 4 » فاستدعاه المأمون « 5 » وقال : ويحك ، لا تحسن أن تقرأ آية من كتاب الله تعالى ؟ قال : بلى والله يا أمير المؤمنين ، إني لأقرأ من سورة واحدة ألف آية ، فضحك المأمون وأمر بإخراجه .
وقيل لأنوشروان : ما العقل ؟ قال : القصد « 6 » في كل الأمور . قيل : فما المروءة ؟ قال : ترك الرّيبة ، قيل فما السخاء ؟ قال : أن تنصف من نفسك .
قيل : فما الحمق ؟ قال : الإغراق في الذّمّ والمدح .
وقيل لبعض الحكماء ؟ ما الحزم ؟ قال : سوء الظن . وقال بعضهم في قوله :
الحزم سوء الظن . قال : إنّما أراد سوء الظن بنفسه لا بغيره . قيل : فما الصواب ؟ قال : المشورة . قيل : فما الذي يجمع القلوب على المودّة ؟ قال :
كف بذول ، وبشر جميل « 7 » . قيل : فما الاحتياط ؟ قال : الاقتصاد في الحبّ والبغض .
وقال معاوية لزياد حين ولّاه العراق « 8 » يا زياد : ليكن حبّك وبغضك
هامش
( 1 ) الداء العياء : الداء الذي لا دواء له ، أو أعيا الأطباء ولم ينجح فيه الدواء ( لسان العرب 15 / 113 ) .
( 2 ) الرعونة : الحمق والأرعن هو الأهوج في كلامه .
( 3 ) الدوى : الفاسد الجوف .
( 4 ) الآية دون تحريفوَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ[ الشورى : 37 ] .
( 5 ) في ( خ ) : [ فبلغ ذلك المأمون فاستدعاه ، فقال : . . . ] .
( 6 ) القصد : الاعتدال .
( 7 ) كف بذول : كثير البذل والعطاء . بشر جميل : اللقاء بوجه طلق .
( 8 ) أي معاوية بن أبي سفيان حين ولّى زياد بن أبيه على العراق .