وقال ابن عباس رضي الله عنه : ثلاثة من عاداهم عادت عزته ذلة : السلطان والولد والغريم « 1 » .
واعلم : أنه إنما يستطيع صحبة السلطان أحد رجلين : إمّا فاجر مصانع ، ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته ، وإما مغفل مهين لا يحسده أحد ، فأما من أراد أن يصحب السلطان بالصدق والنصيحة والعفاف ، فقلّما تستقيم له صحبته ، لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد ، أما الصديق فينافسه في منزلته ، فيطعن عليه لنصيحته له ، فإذا اجتمع عليه هذان الصنفان ، كان قد تعرض للهلاك .
وقال بعض الحكماء : من شارك السلطان في عزّ الدنيا ، شاركه في ذلّ الآخرة .
لا يوحشك من السلطان إكرام الأشرار ، فإن ذلك للضرورة إليهم ، كما يضطر الملك إلى الحجّام ، فيشرط قفاه ويخرج دمه .
وفي الأمثال : لا حلم لمن لا سفيه له .
وكان ابن عمر إذا سافر إلى مكة ، استصحب معه رجلا فيه ما فيه ، يستدفع به شر السفهاء ، وأهل الوغادة « 2 » والدّغارة « 3 » .
وقال المعتصم « 4 » : إن للسلطان لسكرات ، فمنها : الرضا عمن استوجب السخط ، والسخط على من استوجب الرضا .
ومنه قوله الحكماء : خاطر من لجّج « 5 » في البحر ، وأعظم منه خطرا من صحب السلطان .
وقال ابن المقفع لابنه : لا تعدّنّ شتم السلطان شتما ، ولا إغلاظه إغلاظا ، فإنّ ريح العزة تبسطه في غير بأس ولا سخط .
هامش
( 1 ) الغريم : الدائن .
( 2 ) الوغادة : الدناءة والوغد : هو الرجل الدنيء الذي يخدم بطعام بطنه .
( 3 ) الدغارة : سوء الخلق . والداغر هو الخبيث المفسد .
( 4 ) المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد : الخليفة العباسي الثامن ، خلف أخاه المأمون وهو الذي احتل عمورية بعد صرخة ( وا معتصماه . . ) وهزم البيزنطيين توفى سنة 227 ه . ( الأعلام 7 / 127 ) .
( 5 ) لجّج في البحر : خاضه .