ولما أفضى الأمر إلى أبى جعفر المنصور ، أنفذ جيشا وقال لقوّاده : سيروا بمثل هذه السيرة ، ثم قال : صدق الأعرابي ؛ ( أجع كلبك يتبعك ) فقام أبو العباس الطوسي « 1 » ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف ، فيتبعه ويدعك .
ويروى : أن كسرى صنع طعاما في سماط « 2 » ، فلما فرغوا ورفعت الآلات ، وقعت عينه على رجل من أصحابه ، قد أخذ جاما « 3 » له قيمة كبيرة ، فسكت عنه ، وجعل الخدم يرفعون الآلات ، فلم يجدوا الجام ، فسمعهم كسرى يتكلمون ، فقال : ما لكم ؟ فقالوا : فقدنا جاما من الجامات ، فقال : لا عليكم ، أخذه من لا يرده ، ورآه من لا يفضحه ، فلما كان بعد أيام ، دخل الرجل على كسرى ، وعليه حلية جميلة ، وحال مستجدة ، فقال له كسرى : هذا من ذاك ؟
قال : نعم ، ولم يقل له شيئا .
وسئل عمرو بن معاذ - وكان على الصوائف « 4 » - : بم قدرت على جيوش الصائفة ؟ وكان يغزو في كل سنة ، ويجر الجيوش إلى بلاد الروم ، فقال :
بسمانة الظهر « 5 » والقديد « 6 » وكثرة الكعك .
وروى : أن بعض أمراء العرب ، كان ظالما لرعيّته ، شديد الأذى لهم في أموالهم ، فعوتب في ذلك ، فقال : ( أجع الكلب يتبعك ) فوثبوا عليه فقتلوه ، فمر بعض الحكماء ، فقال : ( ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يشبعه ) .
* * *
هامش
( 1 ) أبو العباس الطوسي : كان قائد حرس أبي جعفر المنصور في الكوفة بعد موت قائد حرسه المشهور عيسى بن مهنيك .
( 2 ) السّماط : ما يبسط ليوضع عليه الطعام .
( 3 ) الجام : وعاء موضوع للشراب أو الطعام مصنوع من فضة أو غيرها .
( 4 ) الصوائف : مفردها صائفة ، وهي الجيوش التي تغزو في الصيف وغالبا ما تتجه نحو الثغور الجبلية التي تكون باردة في الشتاء .
( 5 ) سمانة الظهر : كثرة لحمه وشحمه .
( 6 ) القديد : اللحم المجفف في الشمس .