وقال مسلم بن عمرو « 1 » لمن خدم السلطان : لا تغتر بالسلطان إذا أدناك ، ولا تتغيّر إذا أقصاك .
وروى أن بعض الملوك استصحب حكيما ، فقال له : أصحبك على ثلاث خلال قال : وما هن ؟ قال : لا تهتك لي سترا « 2 » ، ولا تشتم لي عرضا ، ولا تقبل فيّ قول قائل حتى تستشيرنى ، قال : هذا لك ، فما لي عندك ؟ قال : لا أفشى لك سرا ، ولا أدخر عنك نصيحة ، ولا أوثر عليك أحدا قال : نعم الصاحب المستصحب « 3 » أنت .
وقيل لعبد اللّه بن جعفر « 4 » : ما الخرق « 5 » ؟ قال الدالة « 6 » على السلطان ، والوثبة قبل الإمكان .
وقال ابن المقفع : أولى الناس بالهلكة الفاحشة ، المقدم على السلطان بالدّالة .
وقال يحيى بن خالد « 7 » الدّالة تفسد الحرمة القديمة ، وتضر بالمحبة المتأكّدة .
وقال بزرجمهر : إذا خدمت ملكا من الملوك ، فلا تطعه في معصية خالقك ، فإن إحسانه إليك فوق إحسان الملك ، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه . اصحب الملوك بالهيبة لهم والوقار ، لأنهم إنما احتجبوا عن الناس لقيام الهيبة ، فلا تترك الهيبة وإن طال أنسك بهم ، فهو حسبهم منك ، لا تعط السلطان مجهودك في أول صحبتك له ، فلا تجد بعد للمزيد موضعا ، ولكن دع للمزيد موضعا . علّم السلطان وكأنك تتعلم منه ، وأشر عليه وكأنك تستشيره ، إذا أحلك السلطان من نفسه بحيث يسمع منك ويثق بك ، فإياك والدخول بينه وبين بطانته ، فإنك لا تدرى متى يتغير لك ، فيكون عونا عليك ، إياك أن تعادي من إذا شاء يطرح ثيابه ، ويدخل مع الملك في ثيابه .
هامش
( 1 ) مسلم بن عمرو : الباهلي كان يتقلد البصرة مع عبيد اللّه بن زياد توفى سنة 71 ه .
( 2 ) هتك ستره : فضحه وأصلها : أن يشق جزءا من الستر فيبدو ما وراءه .
( 3 ) الصاحب المستصحب : الملازم المعاشر .
( 4 ) عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب : سبقت ترجمته .
( 5 ) الخرق : الحمق .
( 6 ) الدّالة على السلطان : الجرأة يقال : له عليه دالة أي جرأة بسبب وجاهة عنده .
( 7 ) هو يحيى بن خالد البرمكي ، مؤدب ومعلم هارون الرشيد سبقت ترجمته .