الباب الخامس والأربعون في صحبة السلطان
قال ابن عباس : قال لي أبي : يا بني إنّى أرى أمير المؤمنين يستخليك « 1 » ، ويستشيرك ، ويقدمك على الأكابر ، من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإني أوصيك بخلال ثلاث : لا تفشينّ له سرّا ، ولا يجرينّ عليك كذبا ، ولا تغتابنّ عنده أحدا .
قال الشّعبى : قلت لابن عباس : كل واحدة منهن خير من ألف ، قال : إي والله ، ومن عشرة آلاف .
وقالوا : صحبة السلطان بالحذر ، والصديق بالتواضع ، والعدو بالجهر ، والعامة بالبشر ، ولا تحكم لأحد بحسن رأي الملك إلا بحسن أثره .
قال بعض الحكماء : لا تستطلع السلطان ما كتمك ، ولا تفش ما أطلعك عليه . من أدل « 2 » على السلطان استثقله ، ومن امتنّ عليه عاداه ومن اظهر أنه يستشيره باعده .
وقال بعض الحكماء : إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا ، وإذا جعلك السلطان أخا فاجعله أبا ، وإن زادك إحسانا فزده فعل العبد مع سيده ، وإن ابتليت بالدخول على السلطان مع الناس ، فأخذوا في الثناء عليه ، فعليك بالدعاء له ، وإن نزلت منه منزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق « 3 » ، ولا تكثر في الدعاء له عند كل كلمة ، فإن ذلك شبيه بالوحشة والغربة « 4 » ، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس ، فلا تأل بما عظّمته وذكرته .
وقال ابن المقفع : لتكن حاجتك في سلطانك ثلاث خلال : رضا ربك ، ورضا سلطانك ، ورضا من تلى عليه ، ولا عليك أن تلهو عن المال والذّخر « 5 » ، فسيأتيك منهما ما يكفى ويطيب .
هامش
( 1 ) يستخليك : يجتمع معك على انفراد وخلوة .
( 2 ) أدل على السلطان : اجترأ عليه ، وثق بمحبته فأفرط عليه ، يقال أدلّ فأملّ أي أفرط في دلاله فأضجر .
( 3 ) الملق : الرياء والنفاق .
( 4 ) الوحشة : الخوف وانقباض القلب من الخلوة . الغربة : البعد وعدم الألفة .
( 5 ) الذخر : ما يخبّأ لوقت الحاجة .