الباب السادس والأربعون في سيرة السلطان مع الجند
اعلم : أن الجند عدد الملك وحصونه ، ومعاقله « 1 » وأوتاده « 2 » ، وهم حماة البيضة « 3 » ، والذّابون « 4 » عن الحرمة ، والدافعون عن العورة ، وهم جنن « 5 » الثغور « 6 » ، وحرّاس الأبواب ، والعدة للحوادث ، وأمداد المسلمين ، والحد الذي يلقى العدو ، والسهم الذي يرمى به ، والسلاح المدفوع في نحره ، فبهم يذبّ عن الحريم ، وتؤمّن السّبل ، وتسدّ الثغور ، وهم عزّ الأرض ، وحماة الثغور ، والذّادة عن الحريم ، والشوكة على العدو .
وعلى الجند الجدّ عند اللقاء ، والصبر عند البلاء ، فإن كانت لهم الغلبة فليمعنوا في الطلب ، وإن تكن عليهم ، فليكسروا الأعنة « 7 » وليجمعوا الأسنة « 8 » ، وليذكروا أخبار غد .
وينبغي للملك أن يتفقد جنده ، كتفقد صاحب البستان بستانه ، فيقلع العشب الذي لا ينفعه ، فمن العشب ما لا ينفع ، ومع ذلك يضر بالنبات ، فهو بالقلع أجدر .
ولا يستصلح الجند إلا بإدار أرزاقهم ، وسد حاجاتهم ، والمكافأة لهم على قدر عنائهم وبلائهم ، وجنود الملوك وعددها ، وقف على سعود الأئمة ونحوسها .
وقال أبرويز لابنه شيرويه « 9 » : لا توسّعنّ على جندك فيستغنوا عنك ، ولا تضيق عليهم فيضجوا منك ، وأعطهم عطاء قصدا ، وامنعهم منعا جميلا ، ووسّع عليهم في الرخاء ، ولا توسّع عليهم في العطاء .
هامش
( 1 ) المعقل : الملجأ أو الجبل المرتفع .
( 2 ) الوتد : ما رزّ في الأرض من خشب ونحوه ، وأوتاد الأرض : جبالها ، وأوتاد البلاد : رؤساؤها ، وأوتاد الملك : جنوده .
( 3 ) بيضة القوم : ساحتهم .
( 4 ) ذبّ عن الحرمة : دفع عنهم الشر وحماهم .
( 5 ) الجنن : مفردها جنّة وهي السترة .
( 6 ) الثغور : مواضع المخافة من فروج البلدان .
( 7 ) الأعنة : أي عنان الخيل .
( 8 ) الأسنة : جمع سنان وهي نصل الرمح ( والعبارة كناية عن إيقاف القتال والاستعداد ليوم جديد ) .
( 9 ) أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان : من ملوك الساسانيين ، كان مشهورا ببطشه وقوته .
وشيرويه : ابنه الذي حبسه ثم قتله واعتلى العرش مكانه وذلك سنة 628 م وقد توفى بعد شهور ستة بمرض الطاعون .