الله تعالى الحجر فقال له : لم تبكي ؟ فقال : ذلك بكاء الحزن والخوف ، وهذا بكاء الشّكر والسرور .
وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام ( أرحم عبادي المبتلى والمعافى ) فقال : إلهي ما بال المعافى ؟ فقال : لقلة شكرهم على عافيتى إياهم .
وبلا « 1 » رجل أعرابيّا بلاء حسنا ، فقال : لا أبلاك الله بلاء يعجز عنه صبرك ، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك .
وأنشد بعضهم :
سأشكر ، لا أنّى أجازيك منعما * بشكرى ، ولكن كي يرى ذلك الشكر
وأذكر أيّاما لدىّ اصطنعتها * وآخر ما يبقى على الشّاكر الذّكر
وأنشدوا :
أوليتنى نعما أبوح بشكرها * وكفيتني كلّ الأمور بأسرها
فلأشكرنّك ما حييت وإن أمت * فلتشكرنّك أعظمى في قبرها
ولبعض الأعراب :
إلهي قد أحسنت عودا وبدأة * إلىّ فلم ينهض باحسانك الشّكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجّة * فعذرى إقرارى بأن ليس لي عذر
وكان مطرّف « 2 » يقول : إلهي ؛ منك تكون النعمة ، وعليك تمامها ، وأنت تعين على شكرها ، وعليك ثوابها .
وهذا باب عظيم من النّعم على العباد ، وقد أثنى الله تعالى على بعض عباده فقال :
إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً
[ الإسراء : 3 ] . وقال تعالى :
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ
[ النحل : 121 ] وكذلك سائر ما أثنى الله تعالى به على عباده ، ثم قال :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
[ النمل : 40 ] :
وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ
[ فاطر : 18 ]
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
[ الإسراء : 7 ] ليس للربّ تعالى فيها لا قليل ولا كثير ، فإنّه أجلّ من أن تناله « 3 » الحظوظ ، وأجلّ من أن يلحقه ثناء مثن ، أو شكر شاكر ، فأخبر أنّ العلوّ والجلال له دونهم ، وأنّه يتقدّس عن الناس بثناء مثن ، أو كفر كافر ، قال الله تعالى :
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ
[ إبراهيم : 10 ] فوا عجبا أعطى ثمّ أثنى .
هامش
( 1 ) بلا - يبلو - بلاء : الشيء أو الشخص : اختبره .
( 2 ) هو مطرف بن عبد الله بن الشّخّير العامري أبو عبد الله ، زاهد من كبار التابعيين ، له كلمات في الحكمة مأثورة ومن رواة الحديث الثقات كانت إقامته ووفاته في البصرة سنة 87 ه ( الأعلام 7 / 250 ) .
( 3 ) كذا في ( خ ) وفي ( ط ) ( ينال الحظوظ ) .