فيدخل في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو صدق السّائل ما أفلح من ردّه » « 1 » ، قال الله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] بترك أدب أو إخلال بحق أو إلمام بذنب قال بعضهم : أدنى الشكر : أن لا تعصّى الله بنعمة ، فإن جوارحك كلّها من نعم الله تعالى عليك ، فلا تعصه بها .
ويحتمل أن يكون معنى الآية :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
إن شئنا ، ألا ترى أنه قال :
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ الشورى : 20 ] وكثير من الخلق يريدون حرث الدنيا ولا يؤتونه ، فيكون التقدير : نؤته منها لمن نشاء بدليل قوله في الآية الأخرى :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ الإسراء : 18 ] وهكذا قوله تعالى :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] . ثم إن كثيرا من الناس يدعون فلا يستجاب لهم ، ولكن معنى الآية :
أستجب لكم إن شئت ، ولمن شئت ، بدليل قوله تعالى :
فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ
[ الأنعام : 41 ] وهذا من باب حمل المطلق على المقيد .
قال الجنيد « 2 » : كنت بين يدي السّرىّ « 3 » ، وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر ، فقال لي : يا غلام : ما الشكر ؟ فقلت : أن لا يعصى الله تعالى بنعمه ، قال : يوشك أن يكون حظك من الله لسانك ، فلا أزال أبكى على هذه الكلمة .
فإن قيل : ما معنى قوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] وما يحصل من الأفعال في الوجود يمكن إحصاؤه ؟ قلنا : نعم الله تعالى على وجهين :
دفع ، ومنع ، فالدفع يمكن إحصاؤه ، ودفع البلايا نعم لا يمكن إحصاؤها ، وما يدفع الله عنهم مما في مقدوره من ذلك ، وما يدفع الله تعالى عن العبد لا يحصى .
* * *
فصل : في بعض أقوال العلماء والحكماء في الشكر « * »
ثم عدنا إلى أقوال العلماء والحكماء في الشكر .
هامش
( 1 ) الحديث موضوع : قال العجلوني في كشف الخفاء : حكم الصنعاني عليه بالوضع وقال ابن عبد الله إسناده ليس بالقوى وسبقه ابن المديني لذلك وأدرجه في خمسة أحاديث قال لا أصل لها ، ونقل عن الإمام أحمد قوله إن الحديث لا أصل له ( كشف الخفاء ، العجلوني ج 2 : ص 155 ) .
( 2 ) الجنيد بن محمد من الزهاد وهو ابن أخت السرىّ وتلميذه وقد سبقت ترجمته .
( 3 ) السّرى : هو السرىّ السّقطى ، أحد كبار مشايخ الصوفية وخال الجنيد بن محمد الذي قال فيه ( ما رأيت أحدا أعبد من سرى السقطي ) كان يقول الشعر ، توفى سنة 253 ه ( الأعلام 3 / 82 ) .
* من إضافات المحقق .