مخلوق ، وأيضا فإن لم تعف : نلت حقك بلا زيادة عليه ، وإن عفوت كانت لك حسنة أسديتها لأخيك ، والله تعالى يقول :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] .
وشفع الأحنف بن قيس ، في محبوس إلى السلطان ، فقال له : إن كان مجرما فالعفو يسعه ، وإن كان بريئا فالعدل يسعه .
وقيل لبعض الكتّاب بين يدي أمير المؤمنين : بلغ أمير المؤمنين عنك أمر ، فقال لا أبالي ، فقيل له : ولم لا تبالي ؟ قال : إن صدق الناقل وسعني عفوه ، وإن كذب النّاقل وسعني عدله .
ولما دخل عيينة بن حصن « 1 » ، على عمر بن الخطاب قال : يا ابن الخطاب : « والله ما تعطينا الجزل ، « 2 » وما تحكم بيننا بالعدل " فغضب عمر ، وهم بأن يوقع به ، فقال ابن أخيه ، يا أمير المؤمنين : إن الله تعالى يقول :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] ، وإن هذا من الجاهلين ، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان عمر وقّافا عند كتاب الله تعالى .
وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » « 3 » ، وقال : « ارحم ترحم » « 4 » .
وكان يقال : أولى الناس بالسلطان ، أحقهم بالرأفة والرحمة .
وفي الإنجيل : أفلح أهل الرحمة لأنهم سيرحمون .
وقال سليمان بن داود عليهما السلام : لقد أبغض الله المتسرعين إلى إراقة الدماء ، فإليهم انتهت القسوة والغلظة ، والتباعد من الرحمة .
ولما تمكن داود من قتل جالوت « 5 » ، أبقى عليه وهو يومئذ عدوّه وطالبه ،
هامش
( 1 ) عيينة بن حصن : أسلم وارتد وحارب مع المرتدين فأسر وقدم به إلى أبي بكر الصديق ، فتجاوز عنه وحقن دمه ، بعد أن أعلن إسلامه . ( الإصابة 4 / 767 ) .
( 2 ) الجزل : العطاء الكثير والواسع .
( 3 ) جزء من حديث صحيح ( الراحمون يرحمهم الله تعالى ارحموا . . . ) رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي عن ابن عمر ( الجامع الصغير للسيوطي رقم 4489 ) .
( 4 ) رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب ، والبيهقي في شعب الإيمان بلفظ « ارحموا ترحموا . . . » عن ابن عمر ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 942 ) .
( 5 ) جالوت : ملك الكنعانيين العمالقة ، وامتد ملكه ما بين مصر وفلسطين ، وحاربه طالوت ملك بني إسرائيل ، وقتله داود عليه السلام عندما كان جنديا في جيش طالوت ثم أصبح داود ملكا على بني إسرائيل .