وقال الأحنف : لا تزال العرب بينة الفضل ، ما لم تعد العفو ضيما أو البذل سرفا « 1 » .
وفي الحكمة : إذا انتقمت فقد انتصفت ، وإذا عفوت فقد تفضلت .
وقال بعض الحكماء : اقبل العذر وإن كان مصنوعا ، إلا أن يكون ممن أوجبت المروءة قطيعته ، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر ، فإن قبولك للعذر فيه اشتراك في المنكر .
ولما دخل الفيل دمشق ، حشر الناس لرؤيته ، وصعد معاوية إلى عليّة له متطلعا ، فبينما هو كذلك ، إذ نظر في بعض الحجر في قصره ، رجلا مع بعض حرمه ، فأتى الحجرة ودق الباب ، فلم يكن من فتحه بد ، فوقعت عينه على الرجل ، فقال : يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي ، وأنت في قبضتي ؟ ما حملك على ذلك ؟ فبهت الرجل وقال : حلمك أوقعني ، قال له معاوية : فإن عفوت عنك تسترها علي ؟ قال نعم . فخلى سبيله .
وهذا من الدهاء العظيم ، والحلم الواسع ، أن يطلب السّتر من الجاني ، وهو عروض قول الشاعر :
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم * وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وأتي موسى الهادي « 2 » ، برجل قد جنى ، فجعل يقرّعه بذنوبه ويتهدده ، فقال الرجل : اعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك ، وإقراري بما ذكرته ذنب ، ولكني أقول :
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة * فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأمر بإطلاقه .
وقال المهلب « 3 » : لا شيء أبقى للملك من العفو ، فإن الملك إذا وثقت رعيّته منه بحسن العفو ، لم يوحشها الذنب وإن عظم ، وإن خشيت منه العقوبة أوحشها الذنب وإن صغر ، حتى يضطّره ذلك إلى المعصية .
هامش
( 1 ) الضيم : الظلم ، السرف : الإسراف .
( 2 ) موسى الهادي : موسى بن المهدي بن المنصور ، الخليفة العباسي الرابع ، وقد حاول إكراه أخيه هارون الرشيد على التنازل عن ولاية العهد ، فقتل في دار الحريم بالموصل وبتحريض من أمه الخيزران سنة 170 ه . فلم يتول الخلافة إلا سنة واحدة ( الأعلام 7 / 327 ) .
( 3 ) المهلب بن أبي صفرة ، سبقت ترجمته .