وقال عبد الملك بن مروان « 1 » : قد قضيت الوطر من كل شيء ، إلا من محادثة الأخوان في الليالي الزّهر على العلالي العفر « 2 » .
وقال عبد الملك : من قرّب السّفلة وأدناهم ، وباعد ذوي العقل وأقصاهم ، استحق الخذلان ، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده .
ومن الكلام الشريف قول الحكماء : ما أحوج ذا القدرة إلى : دين يحجزه ، وحياء يكفّه « 3 » ، وعقل يعدله ، وإلى تجربة طويلة ، وعبر محفوظة ، وإلى أعراق « 4 » تسري إليه ، وأعلاق « 5 » تسهّل الأمور عليه ، وإلى جليس رفيق ، ورائد شفيق ، وإلى عين تنظر العواقب ، وعقل يخاف الغير ، ومن لم يعرف يوم ظفر الأيام ، لم يحترس من سطوات الدهر ، ولم يتحفظ من فلتات الزلل ، ولم يتعاظمه ذنب وإن عظم ، ولا ثناء وإن سمج « 6 » ، وإذا رأيت من جليسك أمرا تكرهه ، أو خصلة لا تحبها ، أو صدرت منه كلمة عوراء « 7 » ، أو هفوة غبراء « 8 » ، فلا تقطع حبله ، ولا تصرم ودّه ، ولكن داو كلمه « 9 » ، واستر عورته ، فأبقه وأبرأ من عمله ،
قال اللّه تعالى
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ الشعراء : 216 ] فلم يأمر بقطعهم وإنما بالبراءة من عملهم السوء .
قال الشاعر « 10 » :
إذا راب منّي مفصل فقطعته * بقيت وما بي للنّهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صحّ سرّني * وإن هو أعيا كان فيه تحامل
هامش
( 1 ) عبد الملك بن مروان : الخليفة الأموي الخامس ، سبقت ترجمته .
( 2 ) الليالي الزهر : الصافية . والعلالي العفر : الأماكن البعيدة .
( 3 ) يحجزه : يكفه : يمنعه من ارتكاب المآثم .
( 4 ) أعراق : جمع عرق وهو مجرى الدم من الجسد .
( 5 ) أعلاق : نفائس أو صداقات .
( 6 ) سمج : قبح .
( 7 ) الكلمة العوراء : القبيحة الساقطة .
( 8 ) الهفوة الغبراء : الزلة أو السقطة الذاهبة .
( 9 ) داو كلمة : أي داو جرحه .
( 10 ) الشاعر هو محمد بن أبان الكاتب يكنى بأبي جعفر أديب حسن البلاغة كان يكتب لنصر ابن منصور بن بسام ثم اتهم بالزندقة فحبس في بغداد ثم أطلق ، ومن شعره هذه الأبيات ، وأوّلها :إذا أنا لم أصبر على الذّنب من أخ * وكنت أجازيه فأين التّفاضل( انظر : الوافي بالوفيات 1 / 250 ) .