وقال الأصمعي : تناظر رجلان ، وأعرابيّ حاضر ، فقال لأحدهما : مناظرة مثلك في الدين فرض ، والاستماع منك أدب . ومجالستك زين ، ومعرفتك عز ، ومذاكرتك تلقيح للعقول وشحذ ، وإخاؤك شرف وفخر .
وقال السمسماني « 1 » : غنّى مخارق « 2 » بين يدي المأمون :
وإنّي لمشتاق إلى ظلّ صاحب * يروق ويصفوا إن كدرت عليه
عذيري من الإنسان لا إن جفوته * صفا لي ، ولا إن صرت طوع يديه
فطرب المأمون وقال : ويحك يا مخارق ، خذ مني نصف الخلافة وأعطني هذا الإنسان .
وقالت الحكماء : النظر في عواقب الأمور ، تلقيح العقول .
وقالوا : العاقل لا تنقطع صداقته ، والأحمق لا تدوم مودّته ، فاتّخذ من نصحاء أصحابك مرآة لطبائعك وفعائلك ، كما تتخذ لوجهك المرآة المجلوّة ، فإنك إلى صلاح طبائعك أحوج منك إلى تحسين صورتك .
وقال المأمون للحسن بن سهل « 3 » : نظرت في اللّذات فوجدتها كلها مملولة خلا سبعة ، قال : وما السبع يا أمير المؤمنين ؟ قال : خبز الحنطة ، ولحم الغنم ، والماء البارد ، والثوب الناعم ، والرائحة الطيبة ، والفراش الوطيء ، والنظر إلى الحسن من كل شيء . قال : فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال ؟ قال : صدقت ، وهي أولاهن .
وقال هشام بن عبد الملك « 4 » : قد قضيت الوطر من كل شيء ، فأكلت الحلو والحامض حتى لا أجد لواحد منهما طعما ، وشممت الطيب حتى لا أجد له رائحة ، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم جدار حائط ، فما وجدت شيئا ألذ من جليس يسقط بيني وبينه مئونة التحفّظ .
هامش
( 1 ) السمسماني : أبو الحسن علي بن عبيد اللّه ، اللغوي المعروف بالسمسماني ، تصدر للرواية وإقراء الأدب في بغداد ، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه وقال : كتبت عنه وكان صدوقا توفي سنة 415 ه ، ( تاريخ بغداد 12 / 10 ) .
( 2 ) مخارق : أبو المهنا بن يحيى الجزار ، إمام عصره في فن الغناء ، أعجب به الرشيد وقربه ، واتصل بالمأمون ، توفي سنة 231 ه ، ( الأعلام 7 / 191 ) . ( والأبيات المذكورة لأبي العتاهية وقد وردت في ديوانه ص 464 ) .
( 3 ) الحسن بن سهل : الحسن بن سهل بن عبد اللّه السرخسي ، وزير المأمون ، وأحد كبار القادة والولاة في عصره ، اشتهر بالفصاحة والأدب وحسن التوقيعات وهو والد ( بوران ) زوجة المأمون وكان المأمون يجله ويبالغ في إكرامه ، وهو أخو الفضل بن سهل ( ذو الرئاستين ) توفي سنة 236 ه . ( الأعلام 2 / 192 ) .
( 4 ) هشام بن عبد الملك : الخليفة الأموي العاشر ، سبقت ترجمته .