وأنكر معارفه ، واستخفّ بالأشراف ، وتكبّر على ذوي الفضل .
ولما أراد سليمان بن عبد الملك أن يستكتب كاتب الحجاج ، يزيد بن أبي مسلم ، قال له عمر بن عبد العزيز : أسألك باللّه يا أمير المؤمنين ، أن لا تحيي ذكر الحجاج باستكتابك إياه ، فقال : يا أبا حفص : إنّي لم أجد عنده خيانة دينار ولا درهم ، قال عمر : أن أوجدك من هو أعفّ منه في الدينار والدرهم ، قال : ومن هو ؟ قال : إبليس ، ما مس دينارا ولا درهما ، وقد أهلك هذا الخلق .
ودخل رجل له عقل وأدب على بعض الخلفاء ، فوجد عنده رجلا ذميّا كان الخليفة يميل إليه ويقرّبه فقال :
يا ملك طاعته في الورى * وحبّه مفترض واجب
إنّ الذي شرفت من * أجله يزعم هذا أنّه كاذب
- وأشار إلى الذمي - فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك ، فسأله : فلم يجد بدا من أن يقول : هو صادق . فاعترف بالإسلام « 1 » .
لا يعرف وزير الملك ما له وما عليه حتى يراعي من صاحبه الواثق به ، ما يراعيه العاشق الغيور من المعشوقة المتهومة .
وكان بعض الملوك ، قد كتب ثلاث رقاع ، وقال لوزيره : إذا رأيتني غضبان ، فادفع إلي رقعة بعد رقعة « 2 » .
فكان في الواحدة : إنّك لست بإله ، وإنك ستموت ، وتعود إلى التراب ، فيأكل بعضك بعضا .
وفي الثانية : ارحم من في الأرض ، يرحمك من في السماء .
وفي الثالثة : اقض بين الناس بحكم الله فإنهم لا يصلحهم إلا ذلك . .
وإذا كان الوزير يساوي الملك في الرأي والهيبة والطاعة ، فليصرعه الملك ، فإن لم يفعل فليعلم أنه المصروع .
هامش
( 1 ) ذكر ابن خلكان وغيره : أن صاحب هذه الحكاية وصاحب أبيات الشعر والرجل الذي له عقل وأدب ، هو المؤلف ( أبو بكر الطرطوشي ) وأن الخليفة الذي دخل عليه هو ( الأفضل بن أمير الجيوش في مصر ) وقد سبق ذكر هذه القصة في مقدمتنا وقد أنشد البيت الأول من الشعر بلفظ مشابه وهو : ( يا ذا الذي طاعته قربة وحقه مفترض واجب ) . ( انظر وفيات الأعيان 4 / 263 ) .
( 2 ) - قوله ( بعد رقعة ) سقطت من ( ط ) .