الباب الرابع والعشرون في الوزراء وصفاتهم ، والجلساء وآدابهم
قال اللّه تعالى في قصّة موسى عليه السلام :
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي
[ طه : 29 ] ، فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء ، لكان أحق الناس بذلك كليم اللّه موسى بن عمران .
ثم ذكر حكمة الوزارة ، فقال :
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
[ طه : 31 ، 32 ] ، دلت الآية على أن موضع الوزارة ، أن تشدّ قواعد المملكة ، وأن يفضي إليه السلطان بعجزه ، ويجزه إذا استكملت فيه الخلال المحمودة .
ثم قال :
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً . وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً
[ طه : 33 ، 34 ] ، دلّت هذه الكلمات على أن : بصحبة العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة ، تنتظم أمور الدنيا وأمور الآخرة ، وكما أن أشجع الناس يحتاج إلى السلاح ، وأفره الخيل « 1 » إلى السوط ، وأحدّ الشّفار إلى المسن ، كذلك يحتاج أجلّ الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير .
وروى أبو سعيد الخدري قال : ما بعث اللّه نبيّا ولا استخلف خليفة إلا كانت له بطانتان ، بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، والمعصوم من عصمه اللّه تعالى .
وإنما اشتقّت الوزارة من الوزر وهو الثّقل ، يريد أنه : يحمل من أمر المملكة وأعبائها وأثقالها مثل الأوزار .
أسعد الملوك : من له وزير صدق ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه .
وقال وهب بن منبه « 2 » : قال موسى عليه السلام لفرعون : آمن ولك الجنة ولك ملكك ، قال : حتى أشاور هامان « 3 » ، فشاوره في ذلك ، فقال : ( بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد ) فأنف واستكبر وكان من أمره ما كان .
هامش
( 1 ) أفره الخيل : أمهرها وأجودها .
( 2 ) وهب بن منبه : مؤرخ من التابعين ، اشتهر بمعرفة أخبار الأقدمين والأنبياء ، ولد بصنعاء اليمن ومات فيها سنة 114 ه . وقد سبقت ترجمته .
( 3 ) هامان : وزير فرعون ، ورد ذكره في القرآن الكريم .