وعلى هذا النمط ، كان وزير الحجاج ، يزيد بن أبي مسلم « 1 » ، لا يألوه خبالا « 2 » ، ولبئس القرناء ، شرّ قرين لشرّ خدين « 3 » .
وأشرف منازل الآدميين النبوة ، ثم الخلافة ، ثم الوزارة .
الوزير عون على الأمور وشريك في التدبير ، وظهير على السياسة ، ومفزع عند النازلة « 4 » .
الوزير مع الملك بمنزلة : سمعه ، وبصره ، ولسانه ، وقلبه .
وفي الأمثال : « نعم الظهير الوزير » .
واعلم : أن أول ما يستفيد الملك من الوزراء أمران : علم ما كان يجهله ، ويقوى عنده علم ما كان يعلمه ، فيزول شكّه .
وأول ما يظهر نبل السلطان ، وقوة تمييزه ، وجودة عقله ، في : استنخاب الوزراء واستنقاد الجلساء « 5 » ومحادثة العقلاء ، فهذه ثلاث خلال تدل على كماله ، وبها يجمل في الخلق ذكره ويجلّ في العقول قدره ، وترسخ في النفوس عظمته ، والمرء موسوم بقرينه . وكان يقال : حلية الملوك وزينتهم :
وزرائهم .
وفي كتاب كليلة ودمنة « 6 » : لا يصلح السلطان إلا بالوزراء ، ولا الأعوان إلا بالمودة والنصيحة ، ولا المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفاف . وأعظم الأشياء ضررا على الناس عامة وعلى الولاة خاصة ، أن يحرموا صالح الوزراء والأعوان ،
هامش
( 1 ) يزيد بن أبي مسلم : يزيد بن دينار الثقفي أبو مسلم كنية أبيه وال من الدهاة جعله الحجاج كاتبا له ، ولما احتضر الحجاج استخلفه على الخراج بالعراق ، وأمّره الوليد بن عبد الملك بعد موت الحجاج سنة 95 ه ثم عزله سليمان ولكن بعد أن حادثه أعجبه عقله ومنطقه واستبقاه عنده ثم ولي إمارة في أفريقيا وقتله أهلها هناك سنة 102 ه . ( الأعلام 8 / 182 ) .
( 2 ) يألوه خبالا : أي لا يقصّر في إفساد دينه . والجدير بالذكر أن هذا اللفظ مقتبس من الآية الكريمة رقم 118 من سورة آل عمران ، حيث قال الله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا.
( 3 ) الخدين : الصاحب أو الصديق .
( 4 ) مفزع عند النازلة : يكشف ويزيل السوء عند حلول المصيبة .
( 5 ) استنخاب الوزراء : اختيارهم . واستنقاد الجلساء : اختبارهم .
( 6 ) كليلة ودمنة : كتاب في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق والإرشاد إلى حسن السياسة وضعه الفيلسوف الهندي ( بيديا ) وترجمه عبد الله بن المقفع من البهلوية إلى العربية ، يتكلم فيه على ألسنة الطيور والحيوانات .