وفي الأمثال : إذا سكنت الدهماء « 1 » ، خاف الوزراء
ولما كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء ، وأزمّة « 2 » الملوك في أكفّ الوزراء ، سيق فيهم من العقلاء المثل السائر فقالوا : ( لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير ، وإذا أحبّك الوزير فلا تخش الأمير ) .
ويقال : ( الخرق : مماراة الأمراء « 3 » ومعاداة الوزراء ، ورب أمر كرهه الأمير فتم بالوزير ، وكم من أمر أراده الأمير فثناه عنه الوزير ، وإنما السلطان كالدار والوزير بابها ، فمن أتى الدار من بابها ولج ، ومن أتاها من غير بابها أزعج ) .
وقال أنوشروان « 4 » : لا يتم للملك أمره حتى يرفع نفسه عن كل عيب ، ويكون له جليس مأمون الغيب ، وخادم ناصح الجيب .
وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من النظر ، فكما أنّ من لم ينظر إلى المرآة ، لا يرى محاسن وجهه وعيوبه ، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعرف محاسن دولته وعيوبها .
وكاتب الملك مستقرّ أسراره ، ولسانه الناطق عنه في آفاق مملكته ، والمخصوص بقربه ولزومه دون نظرائه .
ظهير الأمير وزيره ، وزينته حاجبه ، ولسانه كاتبه ، ورسوله عينه .
للكاتب على الملك ثلاثة أشياء : يرفع الحجاب عنه ، ويتّهم الوشاة عليه ، ويفشي سره إليه .
وقد قالت الحكماء : لا يطمعن ذو الكبر في الثناء ، ولا الخبّ « 5 » في كثرة الصديق ، ولا السّيئ الأدب في الشرف ، ولا الشحيح في البرّ ، ولا الحريص في قلة الذنوب ، ولا الملك المتهاون الضعيف الوزراء في بقاء الملك .
وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها ، وجودة صقلها ،
هامش
( 1 ) الدهماء / عامة الناس .
( 2 ) الأزمة : جمع زمام وهو المقود .
( 3 ) الخرق : الحمق والجهل ، والرجل الأخرق : الأحمق الجاهل سيّئ التصرف أو ضعيف الرأي .
مماراة الأمراء : أي مجادلتهم .
( 4 ) كسرى أنوشروان : من ملوك الفرس الساسانيين والذي اشتهر بعدله وصلاحه .
( 5 ) الخب : الخدّاع .