ونقائها من الصدأ ، كذلك الأمير لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير ، وصحة فهمه ، وصفاء نفسه ، ونقاء قلبه .
ومن شروط الوزير : أن يكون مكين الرحمة للخلق ، رؤوفا بهم ، ليأسو برحمته ما يجرحه السّلطان بغلظته .
ومن شروطه : أن يكون نقي الجيب ، ناصح الغيب ، لا يقبل دقيقة « 1 » ، ولا يكتم نصيحة .
وقال بعض الملوك لوزيره : لا تكوننّ إلى ما تسرني به أسرع مبادرة من إنذاري فيما يخاف عليّ منه .
وقال بعض الملوك : أعط من أتاك بما تكره ، كما تعطي من أتاك بما تحب ، فإن من أنذر كمن بشّر .
ومن شروطه : أن يكون معتدلا كليل تهامة ، لا حرّ ولا قر « 2 » .
وموقع الوزير من الملك موقع الملك من العامة ، وكما أن السلطان إذا صلح صلحت الرعية ، وإذا فسد فسدوا ، كذلك الوزراء ، إذا فسدوا فسد الملك ، وإذا صلحوا صلح الملك .
وكان يقال : آفة العقل الهوى ، وآفة الأمير سخافة الوزير .
وقال المقتدر بالله « 3 » لوزيره : علي بن عيسى « 4 » : اتّق الله يعطّفني عليك ، ولا تعصه فيسلّطني عليك .
هامش
( 1 ) الدقيقة : تأتي بمعنى الأمر الغامض .
( 2 ) القر : البرد .
( 3 ) المقتدر بالله : الخليفة العباسي الثامن عشر ( جعفر بن المعتضد ) في عهده ظهر الفاطميون في أفريقية سنة 296 ه ، والأمويون في قرطبة سنة 315 ه ، وأغار القرامطة على العراق واحتلوا مكة ، ونقلوا الحجر الأسود إلى الأحساء حوالي سنة 316 ه . ومات سنة 320 ه . ( الأعلام 2 / 121 ) .
( 4 ) علي بن عيسى : ابن الجراح ، أبو الحسن البغدادي وزير المقتدر بالله العباسي والقاهر ، وأحد العلماء الرؤساء من أهل بغداد ، أصله فارسي ، نشأ كاتبا كأبيه ، وولي مكة ، ثم استقدمه المقتدر بالله إلى بغداد وولاه الوزارة ، فأصلح الأحوال وأحسن الإدارة وحمدت سيرته ، وكانت حياته مليئة بالاضطرابات ، حيث نقم عليه المقتدر بالله أكثر من مرة ، وله مؤلفات عدّة توفي ببغداد سنة 334 ه . ( الأعلام 4 / 317 ) .