وسمعت أستاذنا : أبا الوليد « 1 » يحكي : أن رجلا استأذن على هارون الرشيد ، وقال : إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه . قال الرشيد : هات . فأخرج أنبوبة قصب فيها إبر عدّة ، ثم وضع واحدة في الأرض ، وقام على قدميه ، وجعل يرمي إبرة إبرة من قامته ، فتقع كل إبرة في عين الإبرة الموضوعة ، حتى فرغ دستة « 2 » ، فأمر الرشيد بضربة مائة سوط ، ثم أمر له بمائة دينار ، فسئل عن جمعه بين الكرامة والهوان ، فقال : وصلته لجودة ذكائه ، وأدّبته كي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول .
ومن زعم أن العقل المكتسب إذا تناهى لا يكون فضيلة ، قال : لأن الفضائل هبات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين ، فما جاوز التوسّط ، خرج عن حد الفضيلة ، كالكرم الذي هو متوسط بين البخل والتبذير ، والشجاعة وسط بين التهوّر والجبن .
وقالت الحكماء للإسكندر : أيها الملك : عليك بالاعتدال في كل الأمور ، فإن الزيادة عيب والنقصان عجز .
وفي الحديث : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير الأمور أوسطها » « 3 » .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : خير الأمور الأوسط ، إليه يرجع العالي ، ومنه يلحق التالي .
قالوا : ولأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر وذلك مذموم .
قلنا : هذا كله باطل بما قدّمناه لنصرة القول الأول ، وهو منقوض بالعقل الغريزي ، وبالعلوم ، وبسائر الفضائل .
وأما قولهم : أنه يفضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر .
فقلنا : الدهاء والمكر كسب معان أخر غير العقل ، ليست من لوازم العقل ، فإن شاء تداهى ومكر ، وإن شاء كف كما تقول :
هامش
( 1 ) هو أبو الوليد الباجي : القاضي والفقيه الأندلسي المالكي ، والذي صاحبه الطرطوشي وأخذ عنه مسائل الخلاف وقد سبقت ترجمته .
( 2 ) دستة : لعبه .
( 3 ) الحديث : رواه البيهقي في شعب الإيمان عن بعض الصحابة ( كنز العمال ج 10 / رقم 28658 ) وذكره القرطبي في تفسير قوله تعالىوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاًدون ذكر الراوي ( الجامع لأحكام القرآن - القرطبي 2 / 104 ) .