والموصوف بالدهاء والمكر مذموم ، وصاحبه محذور ، تخاف غوائله « 1 » ، وتحذر عواقب حبائله « 2 » .
وقد أمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبا موسى الأشعري « 3 » أن يعزل زيادا عن ولايته ، فقال زياد : أعن موجدة « 4 » أو خيانة يا أمير المؤمنين ؟
قال : لا عن واحدة منهما ، ولكن كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك .
وكتب زياد إلى معاوية - رضي الله عنه - إن العراق في شمالي ويميني فارغة ، فولّنى الحجاز أكفك أهله ، فبلغ ذلك ابن عمر ، فقال : اللهم اكفه ، فطعن في إصبعه بعد أيام ، فمات .
فنحن وإن كنا نرغب عن الدهاء والمكر « 5 » ، فإنا نرغب في الحيلة ونرضى بها ، والاتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديما وحديثا ، وليس شيء من أمور الدنيا لطالب الرفعة ، وباغي الوسيلة ، ومرتاد أي أمر كان ، دق أو جل ، خيرا من الحيلة ، وأضعف الحيلة أنفع من كثرة الشدة .
وقالت الحكماء : ملاك العقل : الحيلة والتأني للسبب الضعيف والقوي من الأمور .
وروي أن رجلا وقف لكسرى ، فقال : أنا أصنع ما تعجز الخلائق عنه ، قال :
ما هو ؟ قال : يشدّ برجلي حبل ، طرفه برقبة الفيل ، وبرجلي الأخرى كذلك ، ويشدّ طرفه برقبة الفيل ، ثم يساق الفيل بالضرب والزجر فلا أتزحزح . ففعل ذلك فتمت حيلته ، ثم طلب أن يفعل ذلك بأربع من الفيلة فمرت بحدتها ، فقسموه شطرين ، فقال كسرى : ومن لم يكن أكبر ما فيه عقله ، هلك بأكبر ما فيه ، فنظمه بعض الشعراء وقال :
من لم يكن أكبره عقله * أهلكه أكبر ما فيه
هامش
( 1 ) الغوائل : الدواهي والشر والحقد الباطن .
( 2 ) الحبائل : مفردها الحبالة وهي المصيدة .
( 3 ) أبو موسى الأشعري : عبد الله بن قيس ، أسلم بمكة وهاجر للحبشة ، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على البصرة سنة 20 ه ، فتح الأهواز ثم انتقل إلى مكة ومات بها سنة 44 ه . ( الأعلام 4 / 114 ) .
( 4 ) الموجدة : الغضب .
( 5 ) نرغب عن الدهاء والمكر : أي نرفضهما ولا نرضى بهما .