ولا رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص ، ولا أشبه سرا بعلانية من زياد ، ولو أن المغيرة كان في مدينة لها ثمانية أبواب ، لا يخرج من باب منها إلا بالمكر ، لخرج من أبوابها كلها .
وقال أبو الدرداء : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( يا عويمر ، ازدد عقلا تزدد من ربّك قربا ) قلت : بأبي أنت وأمي ، ومن لي بالعقل ؟ قال : ( اجتنب محارم الله ، وأد فرائض الله ، تكن عاقلا ، ثم تنفّل صالح الأعمال ، تزدد في الدنيا عقلا ، وتزدد من ربك قربا ، وعليه عزّا ) « 1 » .
ويروى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، شعر :
إنّ المكارم أخلاق مطهّرة * فالعقل أوّلها والدّين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها * والجود خامسها والعرف سادسها
والبرّ سابعها والصّبر ثامنها * والشّكر تاسعها واللّين عاشرها
والنّفس تعلم أنّي لا أصدّقها * ولست أرشد إلّا حين أعصيها
والعين تعلم في عيني محدّثها * إن كان من حزبها أو من أعاديها
وقال بعض الحكماء : العاقل : من عقله في إرشاد ، ومن رأيه في إمداد ، فقوله سديد وفعله حميد . والجاهل : من جهله في إغواء ، فقوله سقيم ، وفعله ذميم ، فأما من صرف فضل عقله إلى الدهاء والمكر والسر والحيل والخديعة ، كالحجاج وزياد « 2 » وأشباههما ، فمذموم .
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لست بالخبّ « 3 » والخبّ لا يخدعني .
وقال المغيرة « 4 » : كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أفضل من أن يخدع ، وأعقل من أن يخدع .
هامش
( 1 ) الحديث : ذكر في المطالب العالية لابن حجر رقم 2768 وأبو الدرداء هو عويمر بن مالك .
سبقت ترجمته .
( 2 ) الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه : وقد اشتهرا بحزمهما وشدتهما وسفكهما للدماء أثناء توليهما العراق وقد مرت ترجمتها .
( 3 ) الخب : الخداع .
( 4 ) أي المغيرة بن شعبة وقد سبقت ترجمته .