إن عنوا به أن القوة العاقلة تابعة لأجزاء خاصة من جسم الإنسان ، تسمى مزاجا ، فقد قررنا أن البعث جمع عن تفريق ، لا عن إعدام ، وأن هذه الأجزاء يمكن إعادة تركيبها ، فيمكن إعادة القوة العاقلة معها ، حيث اعتبر المزاج شرطا في وجودها .
وإن عنوا به أن القوة العاقلة تابعة لهيئة خاصة هي المسماة بالمزاج وأن هذه الهيئة ثابتة مدة حياة الإنسان ، وتذهب بموته ، فتذهب القوة العاقلة تبعا لذلك إلى غير رجعة ، فباطل بما بيناه من أن هذه الهيئة تتبدل في حياة الإنسان ، تبعا لتبدل عناصر جسم الإنسان نتيجة لعملية الغذاء ، ولا تبطل مع ذلك القوة العاقلة .
وإن عنوا به أن القوة العاقلة تابعة لهيئة متجددة فمسلم ولكنه لا يتأدى إلى ما تأدوا إليه من أن :
[ النفس تموت ولا تعود ]
* * * فظهر أن حكم الطبيعيين بأن النفس تموت ولا تعود ، مع أنه لا يوافق الأخبار والآيات الوادة عمن حكموا عليه بأنه :
[ قادر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ]
هو أيضا لا يوافق النظريات المعروفة في علمهم الطبيعي نفسه ،
فهم إذن أهون شأنا من أن ينخدع بكلامهم هذا إنسان يستخدم عقله الذي منحه اللّه إياه ليميز به بين الحق والباطل .
* * * ومما تجدر ملاحظته أن قولنا :
[ إن البعث جمع عن تفريق ]
قد جارينا فيه ظاهر قوله تعالى :
[ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ، وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ]
وظاهر قوله تعالى
[ وَقالُوا : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً ، أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ؟