فقضية عدم إعادة المعدوم ، قضية تقوم على تخرصات وظنون ، لا على تحقيق ويقين .
فالبعث إعادة عن جمع لا عن إعدام ، فأجزاء جسم الإنسان تتفرق بموته ، ولا تنعدم عدم فناء . وتجمع المفترق ، وتفرق المجتمع أمر واقع في الطبيعة ، يعترف به حتى هؤلاء الطبيعيون ، وهو المسمى بلسانهم حركة الكون والفساد .
وتجميع أجزاء الإنسان بعد أن تتفرق بموته أمر لا يصعب على من وصفه الطبيعيون أنفسهم بأنه :
[ قادر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ، ومقاصدها ]
وقد جاء تأكيد هذا المعنى في القرآن بقول اللّه تعالى :
[ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ، وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ]
فما هو المزاج الذي يقولون عنه : إنه يبطل ؟ هل هو عناصر وأجزاء مادية ؟
فإن كان كذلك فقد قررنا أن المادة تتفرق ، وأن البعث جمع هذا المتفرق ، وإذن ، فالمزاج لا يبطل بطلانا يستحيل معه إعادته .
أم هو كيفية خاصة ، تنتج من تجمع عناصر على طريقة خاصة ؟
وهذه الكيفية تزول بتفرق العناصر ، ولو فرض أن أعيد تركيب هذه العناصر بعد تفرقها ؛ فإن الهيأة الحاصلة من تجمعها ، المسماة بالمزاج ، سوف تكون مثل الكيفية الزائلة ، لا عينها ؛ وإذن يتم القول بأن المزاج قد بطل
فإن كان كذلك ، فلا ينفعهم ذلك في قضيتهم شيئا ؛ لأن مما هو ثابت بمقتضى علومهم الطبيعية نفسها ، أن مواد البدن تتحلل نتيجة للجهود التي يقوم بها الإنسان ، وأن مواد أخرى تتكون من الغذاء الذي يتناوله الإنسان ، لتحل محلها .
ومفاد ذلك أن الأجزاء التي تقوم بها الهيئة الخاصة المسماة بالمزاج ، تذهب من الإنسان ، ويحل محلها أجزاء أخرى جديدة ، تتكون من الغذاء .
وإذا ذهبت الأجزاء التي تقوم بها الهيئة المسماة بالمزاج ، فقد ذهبت الهيئة ، ومع ذلك فالإنسان موجود وروحه موجودة لم تذهب ولم تفن .
فدل ذلك على أن قولهم :
[ القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه ]