تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
خاصّا ، ورتبوا الموجودات ، على ما انكشف لهم ، ترتيبا خاصا ، يدّعون فيه الوجدان والمشاهدة . وربما زعم بعضهم في ذلك غير ما زعمه الآخرون ، فتعددت المذاهب ، واختلفت النحل والأهواء ، وتباينت الطرق والمسالك ، وتحيزت الطوائف ، وصار اسم ( التصوف ) مختصّا بعلوم المكاشفة والبحث - على طريقة العلوم الاصطلاحية الكسبية - عن أسرار الملكوت ، والإبانة عن حقائق الوجود ، والوقوف على حكمته وأسراره . ثم يفسرون المتشابه من الشريعة ، كالروح ، والملك ، والوحي ، والعرش ، والكرسي ، وأمثالها ، بما لا يتضح أو يكاد . وربما يتضمن أقوالا منكرة ، ومذاهب مبتدعة ، ككلمات الباطنية ، في حمل كثير من آيات القرآن المعلومة الأسباب على معنى باطن ، ويضربون بحجب التأويل على وجوهها السافرة ، وحقائقها الواضحة : كقولهم ، في آدم وحواء : إنهما النفس والطبيعة . وقولهم في ذبح البقرة : إنها النفس . وقولهم في أصحاب الكهف : إنهم الخالدون إلى أرض الشهوات . وأمثال ذلك . فتسكن قلوب كثير من أهل الضلال إلى ذلك ، استجلاء لتحصيل الغايات في البدايات ، واغتناما للزبدة الممخوضة خالصة من المتاعب ؛ فإذا طالبهم الإنكار « 1 » بتحقيق دعاويهم لجأوا إلى الوجدان الذي لا يتعدى دليله ، ولا يتضح على الغير برهانه ، ولو شاء اللّه ما فعلوه « 2 » ، فلقد كان لهم سعة في تقليد السلف منهم في النهى عن الخوض في ذلك . وإذا كانت كلماتهم وتفاسيرهم لا تفارق الإبهام والاستغلاق ، فما الفائدة فيها ؟ فالرجوع إذن إلى تصفح كلمات الشرح والتباس معانيها من التفاسير المعتضدة بالأثر ، ولو كانت لا تخلص من الإبهام ، أولى من إبهامهم ، الذي
هامش
( 1 ) بالفتح جمع نكر بمعنى منكر . ( 2 ) لست أدرى ما معنى إقحام الآية في هذا المقام .
ميزان العمل — صفحة 175 | الغزالي / سليمان دنيا