وثالثها : أن العلوم والمعارف - بحسب نظر الشرع - تنقسم إلى :
محظور وغير محظور .
والقاعدة المستقرأة من الشريعة أن كل ما لا يهم المكلف ، في معاشه ، ولا في دينه ، فهو مأمور بتركه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » قيل : هذا الحديث ثلث الدين .
فما يهم المكلف في دينه ، أو معاشه ، فغير محظور ، وربما تنتهى الأهمية فيه إلى الوجوب .
ومن هذا ، العلم بفروض الأعيان ؛ إذ هو أهم بحسب الدين ، وما لا يهم المكلف في دينه ولا معاشه ، تجده محظورا ، وتأمل قوله تعالى :
تجد في قوله :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ »
« قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
رائحة الإنكار الدال على الخطر .
وكذلك قوله :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ، قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ »
معناه أن الذي يهمكم من أمر الأهلّة كونها معالم للحج ، وهذا من أمور الدين ، أو معالم للناس في مزارعهم ومتاجرهم ، وهذا من أمور المعاش . وما سوى ذلك فلا حاجة لكم به . ثم عقبه بذكر ما هو أهم ، وهو النهى عما كان بعض الحجاج يفعلون في إحرامهم من هجر أبواب البيوت في الدخول ، وإتيانها من ظهورها .
ففي تعقيبه بهذا الحكم ، بعد الإضراب عن مقصود السؤال ، تنبيه وإيماء على حظر الشارع لذلك ، وطلب تركه من المكلفين .
ثم إن قوما من المتصوفة المتأخرين ، عنوا بعلوم المكاشفة ، وعكفوا على الكلام فيها ، وصيروها من قبيل العلوم والاصطلاحات ، وسلكوا فيها تعليما