التصوف
هذه كلمات في التصوف ، أقدم بها لكتاب من أهم كتب التصوف ، هو كتاب ( ميزان العمل ) الذي بين أيدينا . قال أبو زيد عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن خلدون الحضرمي ، في كتابه ( شفاء السائل لتهذيب المسائل « 1 » ) .
[ . . . وأما علم المكاشفة الذي هو ثمرة المجاهدات ونتيجتها ، فلم يكن سبيل إلى الخوض فيه . وقد حذر القوم - رضى اللّه عنهم - من إيداعه الكتب والكلام في شئ منه ، إلا ما يدور بينهم في المفاوضة على سبيل الرمز ، والإيماء ، تمثيلا وإجمالا ، ولا يكشفون شيئا من معانيه ، علما بقصور الأفهام عن احتماله ، ووقوفا مع حدود الشريعة في الأخذ بما لا يعنى ؛ وأدبا مع اللّه في صون أسرار الربوبية .
وإن صدر عن أحد منهم كلمة من ذلك على سبيل الندور ، سموه شطحا ، بمعنى أن حال الغيبة والسكر « 2 » استولت عليه حتى تكلم بما ليس له الكلام به ، كما نقل عن « أبى يزيد » في قوله « سبحانى ما أعظم شأني » .
وقوله :
« جزت بحرا وقف الأنبياء بساحله » .
وقول رابعة :
« لو وضعت خمارى ما بقي بها أحد » .
واعلم أن الخوض في هذا الفن من الأقوال محظور من وجوه :
أولها : أن العبارة عن تلك المدارك والمعاني المنكشفة من عالم الملكوت متعذرة ، لا ، بل مفقودة ؛ لأن ألفاظ التخاطب في كل لغة من اللغات إنما وضعت لمعان متعارفة من محسوس ومتخيل ، أو معقول تعرفه الكافة ؛ إذ اللغات تواضع واصطلاح ، فلا توضع إلا للمعروف المتعاهد ، فأما ما ينفرد بإدراكه الواحد في
هامش
( 1 ) طبعة أستانبول .
( 2 ) يعنى ب ( السكر ) الغيبوبة الناشئة عن محبة اللّه ، لا الشرب .