الأعصار والأجيال ، فلم توضع له .
ولا يصح أيضا التجوز بهذه الألفاظ على طريق المجاز ؛ إذ التجوز إنما يكون بعد مراعاة معنى مشترك أو نسبة ، ولا نسبة بوجه بين عالم الملكوت ، وعالم الملك .
ولا بين عالم الغيب وعالم الشهادة .
فإذن العبارة عن أحوال عالم الملكوت متعذرة أو مفقودة ؛ فكيف يتكلم بما لا يفهم ؟ فضلا عن أن يودع الكتب .
وإن صاروا إلى ضرب الأمثال ، والقنوع بالإجمال ، فسبيل مبهم .
وثانيها : أن الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، هم أهل المكاشفة والمشاهدة بالأصل ؛ إذ هي لهم جبلة وطبيعة . واللمحة التي تحصل لغيرهم ، من ولى أو صديق ، بتكلف أو اكتساب .
واطّلاع النبي على أحوال الملكوت أكمل من اطلاع العارف والولي ، بل لا نسبة بينهما . وهم قادرون على التعبير عن ذلك بإمداد اللّه إياهم بنوره ، ومع هذا فلم ينقل ذلك عنهم .
وقد سئل صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن الروح قوله :
« قل الرّوح من أمر ربّى ، وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا »
وقد جعل علماء اليهود الذين سألوه عن الروح قوله :
« قل الرّوح من أمر ربّى »
من علامة نبوته وصدق مدعاه .
وإنما دعا الأنبياء الكافة إلى النجاة ، ونبهوا على تفاوت الدرجات ، وأومأوا إلى شئ من أحوال عالم الملكوت . دعت الضرورة إليه في عقائد الإيمان : من أمور الصفات ، وأحوال القيامة ، تعين حمل بعضها على الظاهر في عالم الملك في أحوال القيامة .
وعد بعضها من المتشابه كما في كثير من الصفات ، وقد عد بعض العلماء كل ذلك من المتشابه ، فما ظنك بغير الأنبياء ممن لا يطمع في مداركهم ، ولا يرد على حوضهم ، ولم تدعه ضرورة التبليغ إلى النطق به .
ميزان العمل — صفحة 173
مساهمون: الغزالي
ص١٧٣