في أنواع الجهل
الإنسان في الجهل على أربعة منازل :
الأول : من لا يعتقد اعتقادا لا صالحا ولا طالحا ، فأمره في إرشاده سهل إذا كان له طبع سليم ، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش ، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر ، ويقال له باعتبار العلم النظري غفل ، وباعتبار العلم العملي غمر ، ويقال له : سليم الصدر .
والثاني : معتقد لرأي فاسد لكنه لم ينشأ عليه ، ولم يترب به ، واستنزاله عنه سهل وإن كان أصعب من الأول فإنه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة ، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف ويقال له : غاو وضال .
والثالث : معتقد لرأي فاسد قد ران على قلبه « 1 » ، وتراءت له صحته فركن إليه لجهله وضعف نحيزته « 2 » ، فهو ممن وصفه اللّه تعالى بقوله :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
« 3 » فهذا ذو داء أعيا الأطباء فما كل داء له دواء « 4 » ، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه ، كما قيل لحكيم يعظ شيخا جاهلا ما تصنع ؟ فقال ؛ أغسل مسحا لعله يبيض .
والرابع : معتقدا اعتقادا فاسدا عرف فساده ، أو تمكن من معرفته ، لكنه اكتسب دنية لرأسه ، وكرسيا لرئاسته ، فهو يحامي عليها فيجادل بالباطل ليدحض به الحق ، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق ، ويقال له فاسق ومنافق ، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى :
هامش
( 1 ) « قدران على قلبه » سقطت من ط .
( 2 ) نحيزته أي طبيعته .
( 3 ) الأنفال / 22 .
( 4 ) « فهذا ذو داء أعيا الأطباء ، فما كل داء له دواء » سقطت من ط .