تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شعب الإيمان — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[ هود : 13 ] . ثم نقصهم تسعا فقال :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] . فكان من الأمر ما نصفه غير أن من قبل ذلك دلالة : وهي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان غير مدفوع عند الموافق والمخالف عن الحصافة والمتانة وقوّة العقل والرأي . ومن كان بهذه المنزلة ، وكان مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه ، لم يجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس : أن ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ولن تستطيعوه . إن أتيتم به فأنا كاذب وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه ، وإن ذلك إن كان بطلت دعواه . فهذا إلى إن يذكر ما بعده دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب : أن أئتوا بمثله إن استطعتموه ، ولن تستطيعوه إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه ، ولا يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربّه الذي أوحى إليه به ، فوثق بخبره - وباللّه التوفيق . وأما ما بعد هذا فهو أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم ائتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين ، فطالت المهلة والنظرة لهم في ذلك ، وتواترت الوقائع والحروب بينه وبينهم فقتلت صناديدهم ، وسبيت ذراريهم ونساؤهم ، وانتهبت أموالهم ، ولم يتعرّض أحد لمعارضته . فلو قدروا عليها لافتدوا بها أنفسهم وأولادهم وأهاليهم وأموالهم ، ولكان الأمر في ذلك قريبا سهلا عليهم إذ كانوا أهل لسان وفصاحة وشعر وخطابة ، فلمّا لم يأتوا بذلك ولا ادعوه صحّ أنهم كانوا عاجزين عنه . وفي ظهور عجزهم بيان أنه في العجز مثلهم إذ كان بشرا مثلهم ، لسانه لسانهم ، وعادته عادتهم ، وطباعه طباعهم ، وزمانه زمانهم ، وإذا كان كذلك ، وقد جاء القرآن فوجب القطع بأنه من عند اللّه تعالى جدّه لا من عنده ، وباللّه التوفيق . فإن ذكروا سجع مسيلمة ، فكلّ ما جاء به مسيلمة لا يعدو أن يكون بعضه محاكاة وسرقة ، وبعضه كأساجيع الكهّان وأراجيز العرب ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ما هو أحسن لفظا ، وأقوم معنى ، وأبين فائدة ، ثم لم تقل له العرب ها أنت تتحدّانا على الإتيان بمثل القرآن وتزعم أن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن
شعب الإيمان — صفحة 155 | أحمد بن الحسين البيهقي / ابو هاجر محمد سعيد