ما اخترته من آداب بزرجمهر
قال :
رأيت الدنيا ذات تصرف وزوال ؛ ورأيت أهلها رهائن مصائب ومتالف « 1 » ؛ ورأيت المتاع فيها قليلا والفناء كثيرا ؛ ورأيت أن العيش زهيد والتبعة مخوفة ؛ ورأيت أن الدنيا « 2 » لو فتحت بأسرها لامرئ حتى يعطى من سرورها ونعيمها وما تشره « 3 » إليه النفوس من كل مطلوب كان منافسا فيها « 4 » فأتاه من ذلك ما تمنى ورفع عنه الآفات والمخاوف ووقى المكاره والشرور والأذى ، ورزق السعة من المال وقرة العين في الأهل والولد والمحبة في الناس والشرف من السلطان ، ثم تمتع « 5 » بما أعطى فطال به متاعه وفضل على نظرائه وعلى أعدائه ، وغبطه الخاصة والعامة ، وبقي مشرفا مكرما قرير العين مسرورا مملى « 6 » - لكان أبعد غايته مائة عام حتى يبلى جسده ويفارقه جماله ويذل عزه وينمحق سلطانه « 7 » ، ثم أبعد ما يخلف بعده ثلاثمائة عام حتى يصير جميع ما جمع متفرقا ، وما عمل [ 12 ا ] منتشرا ، وما شيد خرابا ، فيصير اسمه مجهولا وذكره منسيا وحسبه خاملا وشرفه حقيرا وما نعم وبالا وما كسب خبالا ، ويرث سلطانه ولاة الأمور بعده وتنساق الأرزاق والمواريث من الأول إلى الآخر . فلما رأيت كل مجموع متفرقا ، وكل مكسوب مستلبا إلا التقوى وعمل البر الذي لا يسلب « 8 » عامله ولا يبلى ولا يهلك ، رأيت عند ذلك أن أوجه رأيي « 9 » وقولي وفعلى إلى عمل « 10 » البر فيكون ذلك هو الكسب الذي اكتسب والعقد الذي اعتقد . فلم أزل أحب العمل
هامش
( 1 ) ص : رهائن سالف .
( 2 ) أن : ناقصة في ص .
( 3 ) ف : تسره - وشره ويشره ( من باب فرح ) شرها ( بالتحريك ) إلى الطعام : اشتد حرصه عليه .
( 4 ) ف : مطلوب منافسا فأتاه . . .
( 5 ) ص : منع .
( 6 ) مملى : ممتع - يقال ملاك اللّه حبيبك : أي متعك به وأعاشك معه طويلا ، وتمليت عمرى : استمتعت به .
( 7 ) ينمحق : وردت في ط ، ولم ترد في ف ، ص .
( 8 ) ص : يسكب عاملة .
( 9 ) رأيي : ناقصة في ف .
( 10 ) عمل : ناقصة في ف .