أن تجامع دنسا ، وأنزه من أن تخالط قذرا . فقد « 1 » رأينا من أراد الغرس في أرضه [ 118 ا ] « 2 » يبدأ فيقلع ما فيها من غرائب النبت ، ثم يأتي بكرائم الغرس فينصبه فيها . وكذلك من طلب الحكمة ورغب في اقتنائها ، فهو حقيق بأن يبدأ بما في قلبه من أضواءها فيمحقها ويطهره منها مثل الهوى والشهوات المردية « 3 » ، ومثل الحقد والحسد ومحبة الكرامة والتسرع إلى الغضب ، وأشباه هذه الأشياء .
فإذا تطهر منها استقبل الحكمة فأخذ منها « 4 » ما استطاع . فإذا أظفرك اللّه بالحكمة وزرع فيك « 5 » بذرها فلا يكونن زارع أولى بالقيام على زرعه منك ، ولا يمنعنك بعد غورها « 6 » وكثرة أشباهها منها ، فإنها من المعونة على نفسها مثل الذي بالشمس للإبصار على استثباتها والاستبانة لها . فمن صح بصر نفسه ثم وصل بما صح منه إلى ما يرد عليه من الحكمة ، أو رابه شئ من الأمور لم يمنعه ما فاته منها أن يسمى حكيما ، ويلحقه ما ظفر به بالحكماء ، كما لا يمنع البصر ما فاته من المبصرات من أن يدعى بصيرا ويلحقه بالبصراء . فإذا صح لك من عقلك « 7 » ما تعرف به وجوه الحكمة وترغب به في الخير وتميز بينه وبين الشر ، فليس بشهادة الناس ولا بما « 8 » يسمونه حكمة تكون حكيما ، ولا بعقولهم تعدّ من العقلاء ، ولا بسائر ما يثنون « 9 » عليه من ودهم ونصائحهم تكون فاضلا . وإنما الناس رجلان : رجل لا خير فيه جاهل بحقيقة الحكمة فليس ملتفتا إليه ، ورجل من أهل الحكمة لا يمنعك « 10 » مما سهل اللّه « 11 » لك به سبيل الخير ، بل يبذله لك ، لأنه ليس يباع بثمن ولا يمنع من طالب ، ولا يكتتم كاكتتام الذنوب .
واعلم أن العقل متوجه أينما وجه « 12 » له ؛ وله غناء أينما صرف ، وبعض مصارفه [ 118 ب ] أنفع من بعض : فإذا صرف إلى الدين أحكمه وتفقه فيه ، وإذا « 13 »
هامش
( 1 ) ط : وقد . - وكذلك في « المنتخب » .
( 2 ) ط : فيبدأ .
( 3 ) المردية : ناقصة في ط .
( 4 ) ما : ناقصة في ط .
( 5 ) ط : قبل .
( 6 ) ط : عودها .
( 7 ) ص : عقلك .
( 8 ) ص : ولا .
( 9 ) ص : عليهم .
( 10 ) ص ، « المنتخب » : ما .
( 11 ) ص « المنتخب » : له به .
( 12 ) له : ناقصة في « المنتخب » .
( 13 ) ص : فإذا .