وقيل له لما ثقل : كيف تجدك يا أمير المؤمنين ؟ - فقال : أجدني « 1 » كما قال اللّه تعالى :
« وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ »
« 2 » .
قال أبو سليمان الدارانى « 3 » : إن الرجل لينقطع إلى بعض الملوك ، ملوك الدنيا ، فيرى أثرهم عليه . فكيف [ 73 ب ] من « 4 » ينقطع إلى اللّه تعالى ؟ ! « 5 »
كتب أبو علي الروذباري إلى صديق له « 6 » وكانت بينهما وحشة :
« ترك العتاب فرقة ، وطول العتاب وحشة . فان كنت ذممتنى على الإساءة ، فلم ترضى من نفسك بالمكافأة عليها ؟ ! » .
لما احتضر هشام بن عبد الملك نظر إلى أهله يبكون حوله فقال : جاء هشام « 7 » لكم بالدنيا ، وجدتم له بالبكاء ؛ وترك لكم ما جمع ، وتركتم له ما حمل ؛ ما أعظم مصيبة هشام إن لم يرحمه « 8 » ربه !
ولما احتضر حذيفة « 9 » قال : حبيب جاء على فاقة ؛ لا أفلح من ندم .
الحمد للّه الذي سبق بي الفتن . أليس بعدى ما أعلم ؟ !
هامش
( 1 ) ص : أجدني وراء ظهوركم كما . . . وفي ط : قال اللّه عز وجل . . .
( 2 ) سورة « الانعام » آية : 94 .
( 3 ) ط : الداري - وهو صواب أيضا لأن النسبة إلى داريا : دارى ودارانى .
( 4 ) ف : بمن .
( 5 ) ط : عز وجل .
( 6 ) الواو ناقصة في ط ، ف .
( 7 ) ف ، ط : جاد عليكم هشام بالدنيا . . .
( 8 ) ان لم يرحمه ربه : وردت في ف ، وساقطة من ص ، ط .
( 9 ) حذيفة بن اليمان : يكنى أبا عبد اللّه ، واسم اليمان حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو : من أكابر الصحابة المشهورين بالزهد ولاه عمرو بن الخطاب على المدائن ، وتوفى بعد قتل عثمان بأشهر .
وورد هذا القول في « صفة الصفوة » ( ج 1 ص 251 ) هكذا :
« عن زياد مولى ابن عياش قال : حدثني من دخل على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال : لولا أن أرى أن هذا اليوم آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لم أتكلم به . اللهم انك تعلم أنى كنت أحب الفقر على الغنى ، وأحب الذلة على العز ، وأحب الموت على الحياة ! جيب جاء على فاقة ! لا أفلح من ندم . - ثم مات رحمه اللّه » .
- راجع عنه : « صفة الصفوة » ج 1 ص 249 - ص 252 ؛ « حلية الأولياء » ج 1 ص 270 - ص 283 . وتوفى حذيفة في سنة 36 ه ( « شذرات الذهب » ج 1 ص 44 ) .