تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
رطب ولا يابس ، بل هو صلب أشدّ صلابة من الياقوت ، وأشف من البلّور ، وأصقل من المرآة ، وأنه يماسّ بعضه بعضا ، ويصطكّ ويحتكّ ويطنّ كما يطنّ النّحاس ، ويكون لنغماته وأصواته مناسبات مؤتلفة ، وألحان موزونة كما بيّنّا في رسالة الموسيقى بأكثر من هذا البيان ، وأقمنا عليه البرهان من صناعة العود وضرب الأوتار ، وما يستعمله أهل هذه الصناعة من النسبة . وهي أصحّ نسبة تكون ، وأفضلها ، لأنها نسبة روحانية .

فصل

ثم اعلم أنه لو لم يكن لحركات أشخاص الأفلاك أصوات ونغمات ، ولا للملائكة كلام ولا تسبيح ولا تقديس ، فليسوا هم إذا أحياء ، فهم أموات ، لأن الصمت بالموتى أولى ، ولربما احتك بعض الأحجار ببعض ، فيحدث من بينهما قرع في الهواء . ولو كان الفلك ومن فيه بغير كلام ولا صوت ولا نطق ، لكان ما يكون تحته مشاكلا له ، وكان من يكون ساكنا بغير حركة . ولما كان هذا من الأصل في البداية ، وجب أن يكون ما تحته مناسبا له لكن هو الأعلى زيادة عليه ، إذ كان هو الفاعل وهذا المنفعل ، وأيّهما الأولى بالنّطق والحركة والكلام والتسبيح والتكبير والتقديس والتهليل : أهل السماوات والأفلاك أم أهل الأرض من عالم الإنسان والحيوان والجمادات ؟ وأيّهما أولى بالسّمع والأبصار والأذهان والأفكار والخواطر والأذكار والعلم والعقل : أهل السماوات أم أهل الأرض ؟ فأهل السماوات هم المسبّحون المستغفرون لمن في الأرض ، لا يفترون عن التسبيح ، ولا يسكتون عن التقديس بألحان طيّبة ونغمات لذيذة ألذّ من نغمات العيدان ، ونقر الأوتار والطنابير ، ومجاوبة المزامير في الميادين الفسيحة والأنبوبات القائمة . وإن تلك النغمات والألحان تذكّر تلك النفوس البسيطة التي هناك سرور عالم الأرواح
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 92 | إخوان الصفاء