تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
ومحلّ الأشباح التي فوق فلك الأفلاك التي جواهرها أشرف وألطف من جواهر عالم الأفلاك الذي هو عالم النفوس ودار الحيوان ، التي نعيمها كلّه روح وريحان في درجات الجنان . ولذلك صارت النفوس الجزئية التي في عالم الكون والفساد ، إذا سمعت الأصوات الطيبة والنغمات اللذيذة ، مثل قراءة الإنجيل ، وتلاوة القرآن ، وألحان الداوديّة ، وألحان القرّاء في المجالس ، تذكرت رسوم الأفلاك ، ومحلّ السماوات ، وتشوقت إلى ما هناك . ولذلك قالت الحكماء : إن الموجودات والمعلومات هن التي تحاكي أحوال الموجودات الأولى التي هي علل لها . وقولهم إن الأشخاص الفلكية علل وآلات لهذه الأشخاص التي في عالم الكون والفساد ، وإن حركات تلك علة لحركات هذه ، وحركات هذه تحاكي حركات تلك ، فواجب أن تكون أصوات هذه ونغماتها تحاكي ما هو علة لها ، كمحاكاة الصبيان أصوات آبائهم وأمهاتهم وحركاتهم في لعبهم ، فإنهم يحاكون أفعال الآباء والأمهات . وهكذا التلامذة يحاكون أفعال الأستاذين . وأكثر العقلاء والعلماء من الناس يعلمون أن الأشخاص الفلكية وحركاتها المنتظمة وأصواتها الموزونة على النّسبة الفاضلة ، متقدّمة الوجود على الحيوانات التي تحت فلك القمر ، وحركاتها علة لحركات هذه ؛ وأن عالم النفوس متقدّم الوجود على عالم الأجسام كما بيّنّا في رسالة المبادي العقلية . ولما وجد في عالم الكون والفساد حركات وأجسام ذوات أصوات وحيوانات ناطقة ، دل على ذلك أن في عالم السماوات أشخاصا ناطقات ولطائف متحركة ، وأن لتلك الحركات نغمات متناسبات مفرّحة لنفوسها ، ومشوّقة لها إلى فوقها ، كما يوجد في طباع الصبيان اشتياق إلى أحوال الآباء والأمهات ، وفي طباع المتعلمين والتلامذة اشتياق إلى أحوال الأستاذين ، وفي طباع الجنود والخدم اشتياق إلى أحوال الملوك والرؤساء ؛ وفي طباع العقلاء والفضلاء اشتياق إلى أحوال الملائكة وتشبّه بهم ، كما قيل في حد الفلسفة إنها تشبّه بالإله بحسب طاقة الإنسان .