تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وقد قيل إن فيثاغورس سمع بصفاء جوهره وذكاء قلبه نغمات حركات الأفلاك ، وأصوات حركات الكواكب ، واستخرج بجودة فكره أصوات نغمات الموسيقى وأوضاع ألحانها المطربة ، وهو أول من تكلم في هذا العلم ، وخبّر عن هذا السر من الحكماء ، ثم نيقوماخس وبطليموس وأقليدس وغيرهم من الحكماء فصرّفوا في ذلك وأتقنوا كما ينبغي . وقد ذكرنا في هذا المعنى واستقصينا البيان بإقامة الدلالة عليه في رسالة الموسيقى ، فقد بان بما ذكرنا وتحقق بما وصفنا أن السماوات عامرة بأهلها مسكونة ، ولسكانها أصوات ونغمات ، والأصوات والنغمات والحركات ، التي هي أعراض تحدث من حركات الأجسام الحيوانية وغير الحيوانية ، إنما تظهر وتبرز بحسب بروز تلك الأصوات في ذلك العالم . وهكذا أيضا تتبع هذه الحركات الجزئية تلك الحركات الكلية . وهذه حركات ناقصة ، وتلك حركات كاملة . وهذه حركات فانية ، وتلك حركات باقية صالحة . وتلك الحركات والأصوات والنغمات كلها مفهومة ، وهذه غير مفهومة ، وتلك مستوية ، وهذه غير مستوية . والعلّة في ذلك صفاء هيولى تلك ، وكدر هيولى هذه . وهيولى هذه فانية فاسدة ، وتلك باقية صالحة . وتلك الحركات مكايل الدهور النفسانية ، وهذه مكايل الأوقات الزمانية . وهذه مركّبة ، وتلك بسيطة . وهذه فيها اختلاف وتغيير ، وتلك لا اختلاف فيها ولا تغيير ، والنغمات اللذيذة والأصوات الطيبة في هذا العالم قليلة الوجود ، معدومة على الحال الأكثر ، يتخصص بها الملوك والكبار ، ويتنافسون فيها ، ويكثر غير المخصوص بها لشرفها وجلالتها في النفوس . ولذلك صارت النفوس الجزئية إذا سمعت نغمة طيبة وصوتا حسنا تنجذب إليه وتصبو نحوه ، وتنصت إليه أسماعها لقلته وكثرة أضداده من الأصوات المنكرة . وهكذا ميلها إلى الصورة الحسنة والأشخاص المليحة لقلتها وكثرة أضدادها ، فلذلك صارت المستحسنات مرغوبا