تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
جميع الموجودات وسائر المصنوعات ، لما بدت ووجدت في العالم وقع الاختلاف فيها والسؤال عنها من جهة ثلاثة أنواع يحصرها جنس واحد . فأول ذلك الترتيب الأوّل المرتّب كان في النفس أولا بالقوة والأمور العقلية المعقولة ، وهي صورة أعيان بسائط المركّبات والموجودات بالترتيب ؛ والثاني هي الأمور المحسوسة ثم البرهان يقتضي علّتها ويبيّن معانيها ، ويعرف الناظر فيها والسائل عنها معرفة كيفيتها معقولة في غاية التجرّد النفساني ، وكونها بعدها محسوسة في العالم الجسماني . فأما تفصيل ذلك فنقول : أما الصورة العقلية فهي آثار العقل الكلّي في النفس الكلّي لقبولها منه وكونها بالقرب منه ، وهي أنوار مضيئة تخرج عن حدّ الوصف بالعبارة الجسمانية من حيث التركيب ، إذ كانت في غاية البساطة والتجريد ، إلى الأمور المحسوسة ، فهي صورة في الهيولى تدركها الحواسّ بالمباشرة لها ، وتنفعل منها بخاصة القوة فيها . وأما الأمور المبرهنة فهي أشياء لا تدرك إلّا بمواد العلم وصحة العقل ، وهي أمور يكون مبدؤها من أمور إلهية وأشخاص ملكية ، تضطر العقول إلى الإقرار بها والإذعان لصحتها والتمسّك بمعرفتها ، كما بيّن في كتب الهندسة وصحة الدليل على ما قد قال أهلها : إن أشكال الأشياء لا يحاط بأطرافها ، ولا تدرك أقدارها ، ولا ترى أقطارها ، ولا يمكن رؤيتها إلّا مدورة بأي شكل شكّلت ، وأي مثال مثّلت كما قال أقليدس في كتابه : إن مقدار ظل أي نهاية ، جسما كان أو سطحا ، أو خطّا ، فإنه يمكن أن يوجد منه دائما ولا يفنى أبدا . فهذه حكمة لا تدركها الحواسّ ولا تتصورها الأوهام البتّة من غير تعريف . وقد تكلم أقليدس أيضا في مقدّمات كتابه عن البرهان وقال : إن البرهان مقدّمات الحجة على تحقيق الخبر . فأما التمام فهو العلم بالمعلوم بجميع ما ذكرنا . قال أقليدس : وإنما النّقطة
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 89 | إخوان الصفاء