تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
من هناك . وإذ قد فرغنا من ذكر الآلام الروحانية التي تصل إلى النفوس الشريرة بعد مفارقتها أجسادها التي كانت جنّة لها ، فنريد أن نذكر اللذات الروحانية التي تجدها النفوس الخيّرة الفاضلة بعد مفارقتها أجسادها التي كانت كالسّجن لها ، كما بيّنّا في رسالة كراهيّة الحياة والموت . ثم اعلم يا أخي أن اللذّة والراحة والسرور والفرح والنعيم التي تجدها النفوس الخيّرة الفاضلة الملكية بعد مفارقتها الجسد المعبّر عنها في الشريعة بالثواب والجزاء ، يقصر الوصف بحقائقها ، ولا يبلغ البشر كنه معرفتها ، لأنها روحانية أبدية سرمدية . قال تعالى :
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . »
وقال ، عليه السلام : « فيها من اللذات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر من الرّوح والرّيحان . » ولكن نذكر منها طرفا ونشير إليها إشارة وهميّة حسب ما جرت عادة الإخوان الأصدقاء في ذلك ، ونضرب لذلك مثلا شبه الرموز والإشارة والتنبيه ، كيما يقرب من فهم المتفكرين ويتصوّر في أفكار المريدين ، فنقول : اعلم أنه كان في الأزمان الماضية فتى من أولاد الملوك ، شابّا ظريفا ، حسن الوجه ، كامل البنية ، تام الصورة ، جميل الأخلاق ، كريم الأفعال ، عادل السيرة ، عشق جارية حسناء من أقاربه من بنات الملوك ، فتزوجها وزفّها كما يليق بأولاد الملوك من الكرامات ، وعاش معها زمانا طويلا في عزّ سلطانه ونعيم مملكته ، ولذة شبابه ، وسرور نعمته ، آمنين هادئين بلا تنغيص من عوارض الحدثان . ثم فرق الدهر بينهما بموتها ، وزال الفتى عن ملكه بغلبة عدو ظهر عليه ، واغترب عن بلاده وساح في الأرض على حالة الغرباء ، وافتقر وأصابه الذّل والهرم ، وضعف بدنه ، وذهبت قوته ، وكلّ بصره ، وثقل سمعه ، وأصابه العري والجوع والعطش ، وتمنى الموت مما هو