فصل في ماهية الشياطين وجنود إبليس أجمعين
اعلم أن النفوس المتجسدة الخيّرة ملائكة بالقوة ، فإذا فارقت أجسادها ، كانت ملائكة بالفعل ، كما بينّا في رسالة صفات المؤمنين المحققين ورسالة البعث .
كذلك النفس المتجسدة الشريرة هي شياطين بالقوّة ، فإذا فارقت أجسادها كانت شياطين بالفعل . فهذه النفوس الشيطانية بالفعل توسوس للنفوس الشيطانية بالقوّة ، لتخرجها إلى الفعل ، كما قال تعالى :
« شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »
. فشياطين الإنس هي النفوس المتجسدة الشريرة آنست بالأجساد ، وشياطين الجنّ هي النفوس الشريرة المفارقة للأجسام المحتجبة عن الأبصار . ومثل وسوسة هذه النفوس المفارقة لهذه النفوس المتجسّدة كمثل من قويت شهوته للطعام والشراب ، وضعفت حرارته الهاضمة عن نضجها ، فهو يشتهي ولا يستمرئ ، فعند ذلك تكون همّته أن يرى الطعام والآكلين ، لينظر إليهم ، فيستريح عنها لضعف الآلة ، وبطلان فعل القوة ؛ وكمثل من ضعفت آلة جماعه لا يقوم عليه ، فهمّته أن يرى الفاعلين لعله يقوّي طبيعته وينهض آلته .
وهذه حكم النفوس المفارقة ليست لها آلة تنال بها اللذات المحسوسة ، فهي تحبّ وتوسوس إلى أبناء جنسها ممن لها تلك الآلة على الفعل . فهكذا وسوسة النفوس الشريرة المبغضة ، إذا فارقت أجسادها ، تعلقت بأبناء جنسها من النفوس المتجسدة المبغضة الشّرّيرة بالوسوسة لها إلى القتال والخصومات والعداوات ، وإلى هذه النفوس أشار بقوله تعالى :
« مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ »
.
فهكذا حكم أبناء الدنيا ، يا أخي ، الجاهلين بأمر المعاد ، المشتغلين بالأجساد ، الغافلين عما بعد الموت ، المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم كما ذكر اللّه تعالى :
« وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ »
كما بيّنّا في رسالة البعث والقيامة ، فاطلب