تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
الحكماء ، لا يحسنون أن يجيبوا عليها . فإذا استعصى عليهم بالسؤال والبحث أنكروها وجحدوها ، ويأنفون أن يقولوا : لا ندري ، أو يقولوا : اللّه ورسوله أعلم . بل يخوضون في طغيانهم وجهالاتهم ، ويدّعون فيها المحالات ، وربما يضعون في إبطالها المقالات المزخرفة ، ويعارضون بها الحكماء والعلماء ، ويشنّعون بها عليهم مثل قولهم : إن علم الطّب والنجوم باطل ، وإن الكواكب جمادات ، وإن الأفلاك لا وجود لها ، وإن علم الطب لا منفعة فيه ، وإن علم الهندسة لا حقيقة له ، وإن علم المنطق والطبيعيات كفر وزندقة ، وإن أهلها ملحدون ، ويدّعون عليهم المحالات ، ويحكون عنهم الخرافات ، ويقولون : هذا كلامهم ومذهبهم ورأيهم واعتقادهم . ولعل القوم لا يقولون قليلا ولا كثيرا ، ولا يعتقدونها ، وإن كان الاعتقاد لهم ورأيهم ، فلا يسمع منهم أحد ذلك ، ويموتون مع اعتقاداتهم واندراس مذاهبهم ، فلا يعلم ولا يحس به أحد . أولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا . وأما هؤلاء المجادلة فيظهرون بها في أهل المجادل ، ويوردون تلك الاعتقادات الفاسدة والمذاهب الرديئة بفصيح العبارات ، ويبينون عنها بأوضح الاحتجاجات . ويكتبونها بأصحّ الخطوط وأجود ورق ، ينسبونها إلى أقوام قد عرفوا بالعلم والحكمة وجودة الرأي وصحة التمييز ، على سبيل الشّنعة عليهم والوقيعة بهم بسخيف الرأي ، ويسمونها الأحداث ، ويصورونها في قلوبهم ، ويمكّنون في نفوسهم تلك الآراء الفاسدة والمذاهب الرديئة ، ويحيّرونهم ويشتّتونهم في الحقائق . فلو أن أهل تلك الآراء والمذاهب اجتهدوا بجهدهم ، وأنفقوا الأموال في إظهار مذاهبهم ، والاحتجاج على آرائهم ، والإيضاح عن اعتقاداتهم ، لما بلغوا عشر العشر مما قد بلغ هؤلاء المجادلة في تملّكها في أكثر النفوس . ومع هذه البليّة كلها يدّعون أنهم بهذا الفعل ينصرون الإسلام ويقرّون الدين ! وإلى يومنا هذا ما روي أن يهوديّا تاب على يد واحد منهم ، ولا