ألم تر أنّي ، مذ ثلاثين حجّة * أروح وأغدو دائم الحسرات ؟
ثم اعلم أن أمثال هذه الآراء الفاسدة ، والمذاهب والاعتقادات ، كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه ، وإنما ذكرنا منها طرفا ليعلم أنها كلها مؤلمة لنفوس معتقديها ، وهو جزاء لها وعقوبة لاشتغالهم بغير اللّه وتركهم لذكر اللّه ، كما قال تعالى :
« نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ »
. يعني تركوا ذكر اللّه وتركوا طاعته واشتغلوا بذكر غيره ، وطاعة من سواه ، فتركهم معهم معذّبة قلوبهم ، ومؤتلمة نفوسهم ، كما ذكر اللّه تعالى :
« وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ »
.
ثم اعلم أن هذه الآراء الفاسدة والاعتقادات الرديئة في اللّه تعالى وصفاته وأحكامه وآدابه ، نيران ملتهبة في نفوس معتقديها ، وحرقات مشتعلة في قلوبهم ، مؤلمة لها إلى وقت معلوم ، ومعذّبة لها إلى أجل معدود ، كما قال :
« نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ »
.
ثم اعلم أنه لا يصل إلى معرفة اللّه تعالى أحد من الناس إلّا بعد جوازه على الآراء الفاسدة ، إما في أيام صباه ، أو بعد ذلك ، ثم اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم من نفي الشّرك ، وينجّيه منها كما وعد فقال :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها »
.
واعلم أن أهل الآراء الفاسدة والاعتقادات الرديئة طائفتان : إحداهما شياطين الإنس . فشياطين الإنس هم أهل الآراء الفاسدة الظاهرة التي ألفوها وأنسوا بها . وشياطين الجن هم أهل الآراء الفاسدة الباطنة التي أسرّوها واستجنّوا بها ، وإخوانهم وأتباعهم وتلامذتهم وشيعتهم الذين يقتفون آراءهم ، ويسلكون مناهجهم .
واعلم أنه كلما مضت طائفة منها وانقرضت وبليت أجسادها ، ألحقت نفوسها بنفوس من مضى قبلها من رؤسائها ومعلميها وأستاذيهم من القرون