تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
من الأشخاص الحيوانية البتّة - فإذا البقاء بعد الفناء . ثم اعلم أن ذكرنا هذه الحكومة في هذا الفصل هو من أجل أنه ليس من علم بعد معرفة الباري تعالى أشرف وأجلّ وأنفع للنفوس من معرفة حقيقة أمر المعاد والنشأة الآخرة ، فليس للنفوس طريق أفضل وأجود إلى معرفة أمر المعاد من معرفتها ذاتها وعلمها بجوهرها وصفاتها اللائقة بها ؛ وهو أن تعلم كل نفس بأنها جوهرة روحانية ، حيّة بذاتها ، علّامة بالقوة ، فعّالة بالطبع ، وأنها باقية بعد مفارقة الجسد ، إما ملتذّة مسرورة فرحانة ، وإما مغتمّة خاسرة ، كما بيّنّا في رسائلنا وكما ذكر اللّه تعالى في نحو من تسع مائة آية في القرآن .

فصل

وأيضا من الآراء الفاسدة ، والاعتقادات المؤلمة لنفوس معتقديها ، رأي من يرى أن بارئه وإلهه روح القدس الذي قتلته اليهود وصلبت ناسوته ، وذهب لاهوته لما رأى ما نزل بناسوته من العذاب ، فتركه مخذولا . ثم اعلم أن هذا الرأي والاعتقاد يكسب صاحبه غيظا على القاتل وحنقا ، وعلى المقتول حزنا وغمّا ، ثم يبقى ، طول عمره ، متألمة نفسه ، معذّبا قلبه ، مشتهبا للانتقام من عدوه ، ثم لا يظفر بشهوته ، ويموت بحسرته وغصته . وهكذا أيضا حكم من يرى ويعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين . واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى ، طول عمره ، منتظرا لخروج إمامه ، متمنّيا لمجيئه ، مستعجلا لظهوره ، ثم يفنى عمره ويموت بحسرة وغصّة لا يرى إمامه ، ولا يعرف شخصه من هو ، كما ذكر الشاعر « 1 » :
هامش
( 1 ) الشاعر : دعبل الخزاعي ، وقوله هذا من قصيدة له في رثاء أهل البيت .