بحسرة وندامة آيسا مما يرجوه المؤمنون ، قنوطا مما يؤمّله العارفون من الخيرات والنعيم واللذات .
ثم اعلم أن اللّه تعالى ، بواجب حكمته ، جعل في طبع النفوس محبة الوجود والبقاء أبدا سرمدا ، وجعل في جبلتها كراهية العدم وبغض الفناء ، ثم منعها ذلك في الدنيا لكي تركن إليها وتسكن فيها وتطمئن بها ، لا لكون النفوس في هذه الدنيا حال نقص دون التمام ، وكونها في الآخرة حال تمام وكمال ، والبقاء على حال التمام والكمال أفضل وألذّ وأشرف ، كما أن حال الأجساد في الأرحام حال نقص من التمام ، وحالها بعد الولادة حال تمام وكمال ، لا يخفى هذا على العقلاء .
ثم اعلم أنه لا يمكن الوصول إلى حال التمام والكمال في الدنيا ، إلّا بعد تقدم حال النقص في الرّحم والجواز عليه ، فهكذا حال النفوس في الدنيا يشبه حال الأجساد في الأرحام ، وحال النفوس بعد مفارقتها الأجساد يشبه حال الأجساد بعد مفارقتها الأرحام ، لأن الموت ليس شيئا سوى مفارقة النفس الجسد ، كما أن الولادة ليس شيئا سوى مفارقة الجسد الرّحم ، كما بيّنّا في رسالة حكمة الموت .
فصل
ثم اعلم أن العلماء إذا قالت قولا على حكومة ما ، فهي مقدّمة لها نتيجة ، فقولهم إن الطبيعة لم تفعل شيئا باطلا ، يعنون بهذا القول أنه ليس شيء من الأشياء الموجودة في العالم إلّا بحكمة ما عرفت أو لم تعرف ، فشهوة النفوس البقاء أبدا ، وكراهيتها الفناء ليست إلّا بحكمة ما . فلو لم يكن للنفوس بقياء بعد مفارقة الأجساد ، لكان وجود هذه الشهوة في جبلتها وكراهية الفناء في طباعها باطلا ، لأن البقاء في الدنيا أبدا ليس بموجود لشخص