إحسان
« خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ »
.
ومن الآراء الفاسدة والاعتقادات الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها المعذّبة لهم رأي من رأى واعتقد أن للعالم صانعين : أحدهما خيّر فاضل ، والآخر شرير رذل ، وهما متجاوران مختلطان ، أو متباينان متنازعان ، كلّ واحد مخالف للآخر في شيء أو أشياء ، طول الدهر كلّ واحد في جهد وعناء وبلاء من صاحبه ، يريد غلبته والخلاص منه . فمن يعتقد مثل هذا الرأي فهو لا يدري أين ذلك الخيّر الفاضل فيطلبه ويأوي إليه ويصيّره في خيره ، وأين ذلك الشرير فيعرفه ويهرب من عذابه ويتخلص من شره وينجو من جوره .
فهو يعيش طول عمره حيران متبلبلا ، مؤتلمة نفسه ، معذّبا قلبه ، وجلا خائفا ، لا يدري كيف وجه الخلاص مما هو فيه ، ولا كيف وجه النجاة من المنقلب .
ومن الآراء الفاسدة الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها رأي من يرى ويعتقد أن العالم محدث مصنوع وله صانع واحد حكيم ، ولكن لا يرى البعث والنشور والقيامة ولا الحشر والحساب ولا لقاء ربه ! فمن يعتقد هذا الشأن فهو يرجو الوصول إلى الآخرة ، ولا يؤمّل ثواب العمل ولا جزاء الإحسان ، فيكون حال من يعتقد هذا الرأي وحكم نفسه في آلامها وعذابها وعذاب قلبه كحكم من يعتقد بأن العالم قديم ولا صانع له ، كما تقدم ذكره ، وإليه أشار بقوله تعالى :
« إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا »
رادّا عليهم قولهم .
ثم اعلم أن أسوأ الناس حالا ورأيا ، وأشرّهم اعتقادا من لا يؤمن بيوم الحساب ، ولا يرجو الآخرة ، ولا يخاف العاقبة ، وذلك أنه يفني عمره كله في طلب الدنيا وإصلاح أمر المعاش لجرّ منفعة إلى جسده ، أو دفع مضرّة عنه ، أو نيل شهوة ، أو الوصول إلى لذة متمنّيا للخلود في الدنيا ، مع علمه ويقينه أنه لا يدرك فيها ولا يبقى هو له ، وأنه لا بد من الموت ، ثم لا يرجع ولا يرجو بعد الموت ثواب عمل ، ولا جزاء إحسان ، بل يموت