تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
وكيف هو ، وهو الفائض منه وجود الموجودات ، وهو المظهر صور الكائنات في الهيولى ، المبدع جميع الكيفيّات بلا زمان ولامكان ، بل قال : كن فكان ، وهو موجود في كل شيء من غير المخالطة ، ومع كل شيء من غير الممازجة ، كوجود الواحد في كل عدد . كما وصفنا في رسالة المبادي . ثم اعلم أن اللّه تعالى جعل بواجب حكمته ، في جبلة النفوس ، معرفة هويّته طبعا من غير تعلم ولا اكتساب ، لتكون تلك المعرفة داعية لها ومؤدّية إلى طلب ماهيّته ومعرفة آنيّته ، ولتكون طلبتها في هذه المعارف داعية لها ومؤدّية إلى أحكام جميع العلوم والمعارف الإلهيّة والطبيعيّة والرياضية والعقلية والحسيّة ، حتى إذا أحكمت هذه العلوم والمعارف ، عرفته عند ذلك حق معرفته ، وسكنت إليه واطمأنت وثبتت معه ، ونالت السعادة القصوى التي هي سعادة الآخرة . ثم اعلم أن السعادة نوعان : دنيوية ، وأخرويّة ، والسعادة الدنيوية هي أن يبقى كل شخص في هذا العالم أطول ما يمكن على أحسن حالاته وأكمل غاياته . والسعادة الأخروية أن تبقى كل نفس بعد مفارقتها الجسد إلى أبد الآبدين على أتمّ حالاتها وأكمل غاياتها . ثم اعلم أن أحسن حالات النفوس أن تكون عالمة بالأمور الإلهية ، عارفة بالمعارف الرّبّانية ، ملتذّة بها ، مسرورة فرحانة ، منعّمة أدب الآبدين ، خالدة سرمدية ، كما قال اللّه تعالى :
« فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ »
وقال ، عليه السلام : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » .