تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣

فصل

ثم اعلم أن أشرف العلوم وأجلّ المعارف هي معرفة اللّه وصفاته اللائقة به ، وأن العلماء قد تكلموا في ماهيّة ذاته ، وأكثروا القيل والقال في حقيقته وصفاته ، وتاه أكثرهم في العجاج عن المنهاج والفلح ، والعلّة في ذلك هو من أجل أن هذا المطلب من أبعد المرامي إشارة ، وهو أقرب المذاهب وجدانا كما قال تعالى ، وضرب لهذه المعاني مثلا فقال :
« كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً . »
الآية . ثم اعلم أنه لم يفت من فاته وجدانه من أجل خفاء ذاته ودقّة صفاته ، وكتمانها ، ولكن من شدة ظهوره وجلالة نوره ، وإنما ذهب على من ذهب معرفة ذاته وحقيقة صفاته ، من أجل أنهم طلبوه كطلبهم سائر الأشياء الجزئية المحسوسة ، وبحثوا عنه كبحثهم عن سائر الموجودات الكليّات المبدعات المخترعات المصنوعات الكائنات ، من الجواهر والأعراض والصّفات الموصوفات ، المحتوية عليها الأماكن والأزمان والأكوان والأشخاص والأنواع والأجناس . وذلك أن كل واحد من هذه الموجودات يطلب فيه ويبحث عنه بتسعة مباحث وهي : هل هو ؟ وما هو ؟ وكم هو ؟ وكيف هو ؟ وأيّ هو ؟ وأين هو ؟ ومتى هو ؟ ولم هو ؟ ومن هو ؟ ثم اعلم أن مبدع الهويّات ، وممهي الماهيّات ، وموجد الكميّات ، ومكيّف الكيفيات ، ومميّز الأينيّات ، ومرتّب الأنينات ، وعلّة اللّميّات لا يقال له : ما هو ؟ ولا يسأل عنه كيف هو ؟ وكم هو ؟ وأيّ هو ؟ ومتى هو ؟ ولم كان ؟ وإنما يجوز ويسوغ فيه وعنه ، من هذه المباحث والسؤالات ، اثنان حسب وهما : هل هو ؟ ومن هو ؟ كما يقال : هو الذي فعل كيت وكيت ، وهو الذي وضع كيت وكيت . ومن أجل هذا أجاب موسى عليه السلام فرعون ، إذ سأله : « ما رب العالمين ؟ » فلم يجبه