موسى عن جواب ( ما ) بل أجاب عن جواب ( من ) الذي يليق به وبربوبيّته ، فقال :
« رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما . »
فلم يرض فرعون الجواب ، فقال لمن حوله من الناس المتكلمين : « ألا تستمعون ؟ » أسأله ( ما هو ؟ ) ويجيبني ( من هو ؟ ) وكذا سأل مشركو قريش ومجادلوهم النبيّ ، عليه السلام ، فقالوا نعبد أصنامنا وآلهتنا ، ونحن نراها ونشاهدها ونعرفها ، فأخبرنا عن إلهك الذي تعبده ما هو ؟ فأنزل اللّه تعالى قوله :
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
فقالوا : لا يفهم ولا يعرف ! يريدون ماهيّة ذاته ، أجوهر هو أم عرض ؟ أنور هو أم ظلمة ؟ أجسم هو أم روح ؟ أداخل هو أم خارج ؟ أقائم هو أم قاعد ؟ أفارغ هو أم مشغول ؟ وما شاكل هذه المباحث والمطالب التي لا تليق بربوبيّته ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا .
فصل
ثم اعلم أن مسألة الخلاف للذات والصفات هي أيضا من إحدى المسائل الخلافية بين العلماء في الآراء والمذاهب ، وذلك أن كثرة الظنون والتخيّلات العارضة للأفهام ، إذا تفكرت النفوس في ماهيّة اللّه ، وكيفيّة صفاته اللائقة ، فلا تهتدي الظنون ولا تقرّ الأفهام عن الجولان ، ولا تسكن النفوس إليه ولا تطمئن القلوب له حتى يعتقد الإنسان رأيا من الآراء ، وتسكن نفسه إليه ، ويطمئن قلبه به .
فمن الناس من يرى ويعتقد أن اللّه تعالى شخص من الأشخاص الفاضلة ، ذو صفات كثيرة ممدوحة وأفعال كثيرة متغايرة ، لا يشبه أحدا من خلقه ، ولا يماثله سواه من بريّته ، وهو منفرد من جميع خلقه في مكان دون مكان .
وهذا رأي الجمهور من العامة وكثير من الخواصّ .