تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
ومنهم من يرى ويعتقد أنه في السماء فوق رؤوس الخلائق جميعا . ومنهم من يرى أنه فوق العرش في السماوات ، وهو مطّلع على أهل السماوات والأرض ، وينظر إليهم ، ويسمع كلامهم ، ويعلم ما في ضمائرهم لا يخفى عليه خافية من أمرهم . واعلم أن هذا الرأي والاعتقاد جيّد للعامة من النساء والصبيان والجهّال ، ومن لا يعلم شيئا من العلوم الرياضية والطبيعية والعقلية والإلهية ، لأنهم إذا اعتقدوا فيه هذا الرأي تيقنوا عند ذلك وجوده ، وتحققوا وعلموا وصاياه التي جاءت بها الأنبياء ، عليهم السلام ، من الأوامر والنواهي ، وعلموا علمها وعملوا بها خوفا ورجاء من الوعد والوعيد ، وتجنبوا الزور والشرور ، وعملوا الخير والمعروف ، وكان في ذلك صلاح لهم ولمن يعاملهم ويعاشرهم من الخاص والعام ، وليس يضرّ اللّه شيئا مما اعتقدوه . ومن الناس طائفة أخرى فوق هؤلاء في العلوم والمعارف ترى بأن هذا الرأي باطل ، ولا ينبغي أن يعتقدوا في اللّه تعالى أنه شخص يحويه مكان ، بل هو صورة روحانية سارية في جميع الموجودات ، حيث ما كان لا يحويه مكان ولا زمان ، ولا يناله حسّ ولا تغيير ولا حدثان ، وهو لا يخفى عليه من أمر خلقه ذرّة في الأرضين والسماوات ، يعلمها ويراها ويشاهدها في حال وجودها ، وكان يعلمها قبل كونها وبعد فنائها . ومن الناس طائفة أخرى فوق هؤلاء في العلوم والمعارف والعقل ترى وتعتقد أنه ليس بذي صورة ، لأن الصورة لا تقوم إلّا في الهيولى ، بل ترى أنه نور بسيط من الأنوار الروحانية
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
. ومن الناس ممن فوق هؤلاء في العلوم والمعارف والنظر والمشاهد يرى ويعتقد أنه ليس بشخص ولا صورة بل هويّة وحدانيّة ، ذو قوة واحدة وأفعال كثيرة وصنائع عجيبة ، لا يعلم أحد من خلقه ما هو ، وأين هو ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 515 | إخوان الصفاء