من هذه الأمور في رسائلنا الطبيعية وتكلمنا عليها في كل رسالة حسب ما يليق به ويقتصر غرضها .
وأما الأمور الروحانية فهي تنقسم ثلاثة أنواع : فمنها ما هي قريبة من الأوهام ، ومنها ما هي بعيدة لا يمكن الأفكار تصوّرها والأوهام تخيّلها ، ومنها ما بين ذلك . وقد ذكرنا طرفا من الأمور الرياضية والإلهية في رسائلنا العقليات .
وهكذا حكم الأمور الرياضية فإنها ثلاثة أنواع : فمنها ما هي قريبة من الأوهام يكفي أدنى تأمّل فيها ، ومنها ما هي بعيدة جدّا تحتاج إلى تأمّل شديد وبحث دقيق في تصوّرها ، ومنها ما هي بين ذلك . وقد ذكرنا طرفا منها في رسائلنا الرياضيات .
فهذه تسعة أنواع لا يخرج عنها شيء من الأمور المشكلة المختلفة فيما بين العلماء . فأما فروعها فكثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى .
ثم اعلم أن اللّه تعالى خلق لكل نوع من هذه العلوم والآداب أمّة من الناس ، وجعل في جبلة نفوسهم محبّة معرفتها ، ومكّنهم من طلبها وتعلّمها والبحث عنها ، والنظر فيها ، لتكون العلوم والآداب محفوظة عليهم لا تنقرض ، كما خلق لكل صناعة وتجارة أمة من الناس وجعلها سبب معاشهم طول حياتهم في دنياهم ، لتكون كلها محفوظة باقية لحاجة الإنسان إليها في الدين والدنيا جميعا .
ثم اعلم أن العلوم والآداب تتفاضل كما أن الصنائع والتجارات والأعمال تتفاضل ، وأن أهلها يتفاضلون فيها . وأفضل كل أهل علم هم الراسخون في العلم ، العارفون بأصوله وفروعه ، كما أن أفضل أهل الصناعة والتجارة هم الحذّاق بها الأستاذون فيها .
ثم اعلم أنه ليس كل علم وأدب يليق بكل إنسان أن يتعلمه ويتعاطاه ، ولكن أولى العلوم بكل إنسان أن يتعلمه ما لا يسعه جهله ، وواجب عليه
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 510
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٥١٠