فصل في بيان سبب اختلاف العلماء في الإمامة
فنقول : اعلم أن مسألة الإمامة هي أيضا من إحدى أمّهات مسائل الخلاف بين العلماء ، قد تاه فيها الخائضون إلى حجج شتّى ، وأكثروا فيها القيل والقال ، وبدت بين الخائضين فيها العداوة والبغضاء ، وجرت بين طالبيها الحروب والقتال ، وأبيحت بسببها الأموال والدماء ، وهي باقية إلى يومنا هذا لم تنفصل ، بل كل يوم يزداد الخائضون المختلفون فيها خلافا على خلاف ، وتتشعب فيها ومنها آراء ومذاهب ، حتى لا يكاد يحصي عددها إلّا اللّه ، فنحتاج أن نذكر أولا ما الأصل المتّفق عليه بين أهلها ، ثم نذكر أسباب الخلاف في فروعها فنقول :
اعلم أن الأمة كلها تقول إنه لا بدّ من إمام يكون خليفة لنبيها في أمته بعد وفاته : وذلك لأسباب شتّى وخصال عدّة : أحدها هو أن يحفظ الإمام الشريعة على الأمة ، ويحيي السّنّة في الملّة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتكون الأمة تصدر عن رأيه .
وقوم آخرون يكونون خلفاءه في سائر البلدان للمسلمين بالنيابة عنه في جباية الخراج ، وأخذ الأعشار والجزية ، وتفريقها على الجند والحاشية ، ليحفظ بهم ثغور المسلمين ، ويحصّن بهم البيضة ، ويقهر الأعداء ، ويحفظ الطرقات من اللصوص والقطّاع ، فيمنع الظالم ، ويردع القوي عن الضعف المظلوم ، وينصف ويعدل بين الناس فيما يتعاملون به ، وما شاكل هذه الخصال التي لا بد للمسلمين من قيّم بها في ظاهر أمور دنياهم .
وخصلة أخرى هي أن يرجع فقهاء المسلمين وعلماؤهم عند مشكلاتهم في أمر الدين إليه ، وعند مسائل الخلاف ، فيحكم هو بينهم فيما هم فيه يختلفون من الحكومة في الفقه والأحكام والحدود والقصاص ، والصلوات والجمعات