تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
صار يدعوهم اختلافهم في الآراء والمذاهب إلى كشف عيوب بعضهم لبعض ، وذكر مساوىء بعضهم لبعض ، ويكون ذلك تنبيها للجميع على ترك الرذائل ، وحثّا لهم على اكتساب الفضائل ، ويكون في ذلك صلاح الكل إذا فعلوا ما يؤمرون به ، وتركوا ما يعابون عليه . ومن أجل هذا قيل : اختلاف العلماء رحمة . وخصلة أخرى من فوائد العلماء في الاختلاف في أحكام الدين وشرائعه ، وفنون المذاهب ، وهو أن لا يكون أمر الدين ضيّقا حرجا لا رخصة فيه ولا تأويل ، كما قال تعالى :
« ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ »
. وقال عليه السلام : « أدرئوا الحدود بالشّبهات » . فبهذا الوجه أيضا اختلاف العلماء رحمة ، واختلاف أهل الديانات في أمر الدين وسنن أحكامه حكمة جليّة لا يعرفها إلّا المحقّقون المستبصرون .

فصل في بيان أنه لا يمكن وصول الأنفس الجزئية إلى الآخرة إلا بعد الورود إلى الدنيا

فنقول : اعلم ، أيّدك اللّه ، أن اللّه تعالى لما خلق الإنسان ، وجعل أقصى غرضه بلوغه إلى دار الآخرة ، وكان لا يمكن أن يصل إلى هناك إلّا بعد أن يمكث في الدنيا زمانا ، كما لا يمكن أن يمكث في الدنيا على أتمّ الحالات إلّا بعد أن يمكث في الرّحم زمانا ، ولما كان الغرض من المكث في الرّحم هو تتميم بنيّة الجسد ، وتكميل الصورة ، حتى إذا خرج إلى الدنيا من الرحم كاملا تامّا ، انتفع في الحياة الدنيا ، والتمتّع بلذاتها ونعيمها ، فلهذا كان الغرض من الكون في الدنيا والمكث فيها زمانا ما هو تتميم صورة النفس وتكميل فضائلها ، ولم تكن تتمّ فضائلها إلّا بهذا الجسد المملوء من